القيادة هي من يصنع الفرق ويدير عجلة التغيير، وهي بحاجة إلى الشجاعة كما هي بحاجة إلى التأني والاستشارة، وبحاجة إلى العدل أساس بناء الأوطان والضامن لازدهارها، وهو ما توافر بالمملكة والحمد لله..

بدأ صغيراً في مساحته الجغرافية، لكنه كان مكتملاً وكبيراً في مخيّلة وأحلام مؤسسه، بدأ من مدينة متواضعة ذات أسوار عالية وفي وقت كان الأجداد يكافحون من أجل لقمة العيش والبقاء، كانت أزقة مدينة الرياض ترابية وضيقة، وهكذا كانت أرزاق أجدادنا وفرص بقائهم على قيد الحياة، كان الخوف والجوع يحاصرهم، والمرض لا يغادرهم، وشيئاً فشيئاً بدأت تتغير الأمور وسار الأمن جنباً إلى جنب مع التنمية، بعد أن قيّض الله له قائداً ملهماً وشجاعاً وصاحب رؤية، خرج ذات ليلة من الكويت إلى الرياض لتنطلق المسيرة ويوحد هو ورجاله المخلصون أشتات القبائل المتناحرة، ويثبت الأمن، ويتولى أبناؤه من بعده إكمال البناء والتنمية.

جيلنا يعرف جيداً ماذا كانت إمكانات الوطن وكيف أصبحت، كنا نسير حفاة إلى المدرسة في بدايات المرحلة الابتدائية، ثم كبر الوطن وكبرنا معه.

ولأن النية صافية، والوطن كريم مع أبنائه ومع كل وافد على أرضه، فقد منّ الله عليه بخيرات كثيرة، وميزات نسبية لا تتوافر لغيره، أهمها وجود الحرمين الشريفين وما تحويه مكة والمدينة من مقدسات وأماكن تاريخية تهم كل مسلم، إضافة إلى ما يحويه من خيرات وكنوز في باطن أرضه وفوق جباله وصحاريه وشواطئه الجميلة، وموقعه المميز.

ومن علامات التوفيق لهذا الوطن وهذا الكيان أن كل أزمة تمر به يخرج منها أكثر قوة ومنعة، فمن معركة الإخوان في وقت الملك عبدالعزيز، إلى اقتحام الحرم، ثم حرب تحرير الكويت، ثم الهجمات الإرهابية وأخطرها 11 سبتمبر التي أُريد لها أن تضعف مكانة المملكة وعلاقاتها الوثقة مع الغرب، لكنها بفضل الله كانت جرس إنذار، وبداية تضافر الجهود لمحاصرة الإرهاب ومعالجة أسبابه ودوافعه.

من يقرأ التاريخ يجد أن كثيراً من الممالك تنتهي قبل بلوغها المئة عام لأسباب كثيرة، أكثرها داخلي بسبب الخلافات والدسائس والترهل الإداري والفساد والانغماس في الملذات، أو بسبب غزو خارجي كما حصل للدولة السعودية الأولى على يد الجيش العثماني بقيادة إبراهيم باشا، لكن المملكة محظوظة بوجود قائد مجدد هو الملك سلمان - يحفظه الله - والذي تتلمذ على يد والده الملك عبدالعزيز، واكتسب الكثير من الخبرات على مدى سنوات طويلة كان خلالها الساعد الأيمن لإخوانه ملوك المملكة، لقد أدرك ببعد نظره أن التغيير والتجديد هو سنّة الحياة وأن الوطن بحاجة إلى دماء جديدة شابة تعمل دون ملل أو كلل، وقد أسس لمرحلة قادمة تمتد بمشيئة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لقد تمت في هذا العهد خطوات كثيرة من أهمها:

أولاً: إيجاد قيادة تجمع بين الخبرة والتجارب والقوة والشجاعة، وهو ما توافر للمملكة في هذا الوقت، فالملك سلمان - يحفظه الله - جمع بين الحكمة والحنكة والخبرة، وولي عهده الأمير محمد القوي الأمين عرف قيمة الوقت، وأهمية التخطيط بعيد المدى فأطلق رؤية المملكة 2030 التي ستغير وجه المملكة عند اكتمال تحقيقها وخصوصاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي بشكل خاص.

القيادة هي من يصنع الفرق ويدير عجلة التغيير، وهي بحاجة إلى الشجاعة كما هي بحاجة إلى التأني والاستشارة، وبحاجة إلى العدل أساس بناء الأوطان والضامن لازدهارها، وهو ما توافر بالمملكة والحمد لله، وما نراه في استقلال القضاء ودعمه بالكفاءات الجديدة والخبرات المتنوعة.

ثانياً: في هذا العهد تولت القيادات الشابة معظم المراكز المهمة ومنها أمراء المناطق الذين أصبحوا يتنافسون لاستقطاب الاستثمارات الصناعية والسياحية لمناطقهم لخلق الوظائف وتحسين البيئة ونظافتها، وأصبحوا أكثر قرباً من الشباب واحتياجات المواطنين، وهكذا كان مع الوزارات والهيئات، وأصبح قادتها من أكثر المسؤولين انشغالاً، وارتبطوا في لجان كثيرة هدفها الإنجاز والتنسيق والمتابعة.

ثالثاً: المملكة بكامل قطاعاتها أصبحت ورشة عمل تسابق الزمن رغم التحديات الكبيرة الداخلية والخارجية والتي تأثر بها العالم أجمع، لقد طالت يد الإصلاح معظم القطاعات، ومنها الحملة الكبيرة على الفساد بنوعيه المالي والإداري، وإعادة هيكلة الوزارات لتكون أكثر كفاءة وأقل هدراً للموارد مثل وزارة الدفاع والداخلية ودمج بعض الوزارات والهيئات التي تؤدي أعمالاً متشابهة.

أمامنا طريق طويل وشاق، فالإصلاحات لا تتوقف والتغيير سنّة الحياة، وفي عيد الوطن نقول بكل ثقة: هنيئاً للوطن والمواطن بهذه الإنجازات وهذه المسيرة الخيرة، والقادم أفضل بإذن الله وتوفيقه.