فضيلة الفاروق


دراما والسلام

تتحضر السيدة لتنام وتستيقظ بماكياج كامل، وتظل بكامل أناقتها في حزنها وفرحها، في المطبخ أو في الحمام، في سهرة أو في مأتم، ويحدث أن تبكي بحرارة دون أن تنزل دمعة واحدة من عينيها، ومن شدة حقن خديها وجبينها وشفتيها بمواد متصلبة، لا نفهم هل هي حزينة أم سعيدة، فالمهم أن تكون جميلة. لا شيء يوحي في وجوه أغلب الممثل...

الحلول من أين؟

اقترح الرئيس ماكرون على الفرنسيين الاستفادة من أوقات الحجر الصحي بالقراءة، ولا أدري إن كان هناك رئيس دولة فعل ذلك عبر العالم، لكن هذا ليس جديداً على رؤساء فرنسا، اشتهر بومبيدو بحبه للفن الحديث، ميتران كان عاشقاً للأدب، أما شيراك فقد أحب الفنون البدائية، وقد أحب الفرنسيون هذا الجانب في رؤسائهم، لهذا ظل سارك...

بيت الفيلسوف

لم تستطع المدن على اختلافها أن تستولي على قلبي، فقد ظل هناك هائماً بين بساتين ومرتفعات القرية الجبلية التي عشت فيها طفولتي وجزءاً من صباي، لم أحب الجدران والمباني العالية، وكنت على يقين دوماً أن بيتا بدون حديقة ليس أكثر من سجن. مع تقدمي في العمر أصبح ضجيج السيارات وصخب المدن يزيدني توتراً. الهدوء غايتي ولا...

ماذا لو خبت أنوار الشرق؟

يطرح الكاتب اللبناني عالميَّ الصِّيتِ أمين معلوف سؤاله الخطير هذا، ويترك العنان لقلمه ليجمع كمّاً هائلاً من شهاداته، وتجاربه، وما لامسه عن قرب من تجارب الآخرين، وتأملاته الخاصة بشأن عصره، ليدوِّنها ليس بالطريقة التي يكتب بها كُتَّاب السياسة، بل بلغة إنسانية شفافة وجميلة، فيها من السرد ما يجعلها أقرب للحكاي...

حرب فيروسية مضادّة

قبل أن يصبح الكاتب ياسمينا خضرا (65 عاماً) كاتباً عالمياً وتترجم أعماله إلى أكثر من ثلاثين لغة أجنبية، خاضَ تجربة أدبية مدهشة. فكل كتبه التي نشرت باسمه الحقيقي محمد مولسهول، لم تنل النجاح، بل إن إحدى رواياته وتحديداً تلك التي عنونها بـ "امتياز العنقاء" إصدار 1989 كانت موضوع سرقة أدبية بسبب شخصية "اللاّز" ا...

قلق الانتماء

أكبر الجوائز العربية تتوج الشمال الإفريقي بقوة في الزمن الكوروني، نال الجزائري عبد الوهاب عيساوي جائزة البوكر بروايته "ديوان الإسبرطي" منشورات ميم - الجزائر، ونال كل من التونسيين محمد آيت ميهوب (ترجمة) ومنصف الوهايبي (شعر) بمجموعته بالكأس ما قبل الأخيرة، الصادرة عن دار مسكيلياني، جائزة الشيخ زايد (نوبل الع...

الحَجْر في عين وردة

لم تكن فكرة التجسس على آل الباز الثرية المعلّقة في برجها العاجي، وآل المانع من العرب المقيمين في قبوهم فكرة سيئة، فهم جميعهم أشخاص غريبو الأطوار، وإن كان رضا الباز أكثرهم غرابة، بتمسكه بغرفته في الطابق العلوي، بعد أن تبعثر أفراد العائلة كل في بيته الخاص، بمن فيهم العمة نهاد التي وُضِعت في دار العناية الإله...

عام العجائب

في العام 1665 كان إسحاق نيوتن في الثالثة والعشرين من عمره، طالباً في كلية ترنيتي بجامعة كامبردج، بعد عدة أشهر في ربيع ذلك العام تحصل على شهادته الجامعية، وغادر مع أسرته إلى مزرعة في وولستورب مانور على بعد ستين ميلاً غرب كامبريدج، كان الطاعون حينها يحصد أرواح الإنجليز في لندن ويمحي معالم الحياة في المدينة ا...

الآخرون

في السابع والعشرين من الشهر الخامس للعام 1944 عرضت مسرحية "لا مخرج" للكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، تروي قصة أربعة أشخاص يلتقون في غرفة من دون نوافذ، يخرج أحدهم وهو الخادم، ويغلق الباب بالمفتاح، فيتوقع الثلاثة أن يعود الخادم لتعذيبهم بعد أن قام بحبسهم، لكن الذي يحدث أن الثلاثة سيتواجهون في هذا الفض...

تراجيديا

رأى الفيلسوف الفرنسي نيكولا جريمالدي أن جائحة الفيروس التاجي وطريقة مواجهته بالتحصين المفروض على الناس كشف أننا لا نعيش لأنفسنا، ولكن لعلاقاتنا مع الآخرين. يأتي هذا الفيروس في الوقت الذي انهارت فيه حواجز كثيرة بين الشعوب، ما جعل التواصل بينها على مستوى كوكب الأرض ممكنا بكبسة زر، وحتى صعوبة اللغة قام "غوغ...

الإمبراطور أدونيس

في التسعين من عمره، لا يزال أدونيس نشيطاً، يلقي شعراً، وينحني لقرائه ليوقع لهم، ويصافح ويعانق محبيه، كما لو أنه شاب في مقتبل شهرته. هكذا كان في أماسي كثيرة شهدتها في بيروت، قبل أن تغضب عليه هذه المدينة، وتدير له ظهرها بعد أن انتقدها بشدّة في بداية انهيارها الثقافي العام 2003. إذ أذكر فيما أذكر كيف رد عليه ...

لماذا أكره الشعر؟

حين سألني هل أكره الشعر؟ ارتبكت، كيف أكون صادقة أمام شاعر وأخبره بكامل قواي العقلية أن علاقتي بالشعر كانت قلقة منذ بواكير عمري؟ وأني أحب الشعر وفق ذائقتي المشوهة منذ عمر الـ13، وأني لا أستلطف الشعراء، وبتعبير أكثر صدقاً لا أحبهم، كما أجتهد لبناء سور عالٍ بيني وبينهم حتى أتفادى مزاجيتهم، وغرورهم العالي الوت...

زواج بين الثقافات

أخطأ صموئيل هنتنغتون في تقسيمه للحضارة إلى حضارات عديدة ومختلفة تتصارع فيما بينها، فالحضارة مفهوم شامل لكامل الإنجازات البشرية، هي حضارة إنسانية واحدة، لكن التعدد والتنوع الثقافي هو الذي ‏أدى إلى اختلاف المستويات الحضارية لكل ثقافة.‏ وإن كان هناك صراع فهو بين ثقافات بعينها، وقد أدّى إلى نجاح بعضها في الصعو...

من هو الجوكر؟

إن شاهدت الجوكر الأخير، أو جوكر خواكين فينيكس، وخرجت كما دخلت صالة العرض، فعليك أن تقرأ ملاحظتي في آخر هذا المقال. كل مشهد مرّ أمام عيني أثناء العروض الترويجية للفيلم أقسى من أن أتحمله، فتفاديت مشاهدته، حتى صادفني في قائمة الأفلام المعروضة على طائرة في آخر رحلة قمت بها منذ أسبوع. فبدأت بمشاهدته من باب الف...

الصيني الذي لا نعرفه

في مقال للدكتور فارس الأحمدي باحث في الأنظمة الذكية في جامعة نانجين، ورد "أن العام 2020 جاء ليختبر ذكاء التكنولوجيا الصينية، وجاهزية المواجهة، وأن الصين تمكنت من اجتياز هذا الاختبار وجابهت أزمة كورونا العاصفة"، سريعاً استحدثت تطبيقات سهلت على المواطنين معرفة عدد المصابين في المدن والأحياء السكانية، فيما ظل...

كيف نرى أنفسنا؟

الصورة النمطية التي تعشش في رؤوسنا عن المنتحرين هي فقدهم للإيمان بالله. في الغالب نتصور أن الفاقة المادية هي الدافع للتخلص من أعباء الحياة والخلاص النهائي منها. حسنًا هذا ليس حال الكاتب المصري رجاء عليش، الذي كان مرتاحاً مادياً، فقد وُجد منتحراً بطلقة نار في سيارته قبالة شقتين كان يملكهما. في أواخر السبعين...

رواية عائلية

هل يمكن أن نصنف أي نص بالعائلي فقط لأنه خالٍ من التلميحات الجنسية كما توصف وفقه بعض الأفلام التي تقدم على فضائياتنا؟ أم أن المصطلح يخفي معاني أخرى مختلفة تماماً عن تصوراتنا السطحية؟ للتوضيح ولو على عجالة، علينا وضع الأدب العائلي في حيزه الصحيح، فهو أدب موجه للمراهقين، يلامس تلك المرحلة العصيبة والحساسة ا...

مهنة الظِّل

منذ دخل الإعلامي برنار بيفو أكاديمية غونكور تغيرت بعض مقاييس جائزتها، فالرجل الحاد الطباع قارئ محترف، واحتكاكه بلجان منح الجوائز الفرنسية احتكاك عارف بالوسط الأدبي، وذائقته الأدبية مستقلّة من الصعب التأثير عليها لصالح بعض الصداقات. لقد دخل إلى كواليس الأكاديمية وكشف بعض أسرارها، حتى ما تعلّق بالوجبات الغذا...

رسائل

يبقى الكاتب مجهولاً لقرائه ونُقّاده إلى أن تخرج رسائله الشخصية من الأدراج، تُرسم له شخصية مغايرة لشخصيته من خلال ما توحي به نصوصه الأدبية، وأعتقد جازمة أن نظرية موت المؤلف من أكثر النظريات طعناً له، كونها تذهب في اتجاه واحد، يجرّد النص الأدبي من صوت الكاتب ويحوّله إلى كومة من الكلمات. بين المجموعة القيّمة...

منابر حرة

تنتهي الـ 2019 بسجالات ثقافية حادة، فيما تأخذ الأزمات السياسية والاقتصادية مجدها في احتلال عناوين الصحف العربية، وهذا شأن آخر قد لا أفهم فيه الكثير. ثقافيا يُخرِج كُتّاب كثر غضبهم تجاه المأساة الثقافية التي طالت مدناً كانت "سيدة الدنيا" في زمن مضى، إذ كتبت الكاتبة اللبنانية نجوى بركات مقالاً قوياً ختمت به...

اكتشف ذاتك

لا يكتفي الكاتب الفرنسي لورن غونيل بكتابة قصص جميلة، بل يحدّد فئة ونوعية قرّائه، وهي الفئة العمرية بين الثامنة عشرة ومشارف الأربعين، والتي تشمل في الحقيقة ثلاث مراحل مهمة من حياة أي واحد، أولها مرحلة التأسيس لمشروع حياتي، ثانيها المضي فيه والدخول في معترك الحياة العملية، أما ثالثها فهو مرحلة قطف النتائج. ...

طلباً للرّحمة

تبقى المنافسات الرّياضية لحدِّ الآن أشرف المنافسات على الإطلاق، مقارنة مع منافسات أخرى في العالم العربي، ومع هذا إن وُجِدت فرصة للغش فلا بأس أن نمررها، بعض المؤسسات التي تحاول أن تنهض بالحياة الثقافية في بقاعنا الفسيحة، تقف عاجزة أمام كم الفساد المنتشر بين النخبة نفسها، إنّها حالة عربية بامتياز، من الخليج ...

ستون عاماً بعد قتله

في الرابع من شهر يناير العام 1960 توفي الكاتب الفرنسي ألبير كامو في حادث سيارة كان يسوقها ناشره ميشال غاليمار، الذي كانت تجلس خلفه كل من زوجته جانين وابنته آن، مات ميشال متأثراً بجراحه بعد خمسة أيام من الحادث، فيما تعرّضت زوجته لكسور مهمة في قدميها، أما ابنته فقد قذفت بها قوة الارتطام بعيداً نحو الجهة الأخ...

الرجل الذي يطلي المنازل

جيمي هوفا سائق شاحنة قبل أن يصبح رئيس جمعية سائقي الشاحنات في الولايات المتحدة، ومن ثم زعيم اتحاد العمّال، اختفى الرجل العام 1975، ولم يترك أثراً خلفه، وقد سال حبر كثير بشأنه وبشأن اختفائه، وتحوّلت شخصيته إلى اللغز الغامض الذي غذى أفلاماً سينمائية عدة، آخرها فيلم "ذي آيريش مان" أو الإيرلاندي لمارتن سكورسيز...

جبابرة الإبداع

ممّا لا شكّ فيه أن القارئ البسيط لا يحب أدب كافكا، فلكل كاتب أو شاعر قُرّاء وفق سقف نصه، لكنّ قصّته مع الطفلة التي أضاعت دميتها أحبها عدد واسع من جمهور "السوشل ميديا" تناقلوا القصة آلاف المرات، معبرين عن إعجابهم بإنسانية الكاتب، دون معرفةٍ ولو سطحية بنتاجه. ولمن لا يعرف قصّة "دمية كافكا"، فملخّصها أنه الت...

حتى الأدباء يختلفون

حتى كبار الكتاب أحياناً لا يفرّقون بين الكتابة الجميلة والكتابة الصّادقة، بين الحرف الدّافئ الذي يشق طريقه إلى القلب وبين الحرف الرشيق الذي يكتفي بإدهاش قارئه لحظة القراءة. ثمة اختلافات جمّة يصعب اختصارها، بين مؤلّف يريد إثارة إعجاب قارئه، وكاتب آخر يريد أن يصنع من قارئه شخصاً قوياً ويداوي نقاط ضعفه. هنا...

طفل في قفص

لا غرابة في أن السيد دي بوفوار تمنى أن يكون له ابن ذكر ليحمل اسمه، ويحقق طموحاته السياسية، فقد كان الرجال ولا يزالون يتزوجون من أجل تأسيس أسر، وإنجاب من يحمل أسماءهم ومواريثهم، لكن الغرابة أن السيد دي بوفوار رزق بنتاً فأطلق عليها اسم "سيمون" وظلّ يهمس لها: "إن لك عقل رجل" حتى كبرت وتفوّقت وتألقت، بعد أن شغ...

رواية دونكيشوتية لنجوى بركات

لا يمكن لقارئ رواية "مستر نون" لنجوى بركات أن يخرج سالماً من نصها، إنها ملحمة دينكوشتية معاصرة، تفرد واقعنا المعيش أمامنا تحت أشعة ساطعة، كل تفصيل فيها سنراه بمكبّر غير عادي، كل سلوك، كل حركة، كل النتائج الخاسرة لحياة بنيت على ارتباك قديم، ستتوضح بالقدر المؤلم الذي يقتلع قلوبنا من أمكنتها، ليس لأن الأحداث ...

شخصيات أدبية محيّرة

المبدعون الحقيقيون يبتكرون شخصيات لا تموت بموتهم، رنيه غوسيني نموذجًا، هو الذي لم يعش طويلاً؛ إذ توفي وهو في الواحدة والخمسين من عمره، لكنّه ترك روائعه لأجيال بعده، فأسعد الصغار كما أسعد الكبار باقتناص تلك اللحظات المشتركة بين أطفال العالم. ابتكر غوسيني شخصية "نيكولا الصغير"، ولن تدهش الأطفال فقط عبر سلس...

بارومتر التحضر

مهما عبّرت عن احترامي و إعجابي بالفنان الكبير وحيد جلال وكوكبة فناني زمنه مثل جهاد الأطرش، وسمير شمص، وسامي كلارك، والراحلين منهم مثل هند أبي اللمع، وإبراهيم مرعشلي ومحمود سعيد، وغيرهم، فلن أمنحهم حقهم، لقد صنعوا طفولتي بأصواتهم فائقة الروعة، ولفظهم السليم للغة العربية، وإلى اليوم وأنا في الثانية والخمسين ...