لطالما ترصّد الدارسون حركة الإبداع الأدبي في أعمالهم، ولكنّها أسرع وأكثر مكرا ممّا يمكن الإمساك به، وذلك بيّن حين يرتبط بمفهوم الشعريّة باعتبارها رؤية جماليّة متجدّدة يرنو فيها المبدع إلى التميّز فيتجاوز كل القوالب الجاهزة، إنّها لحظة اختراق للغة وعلاقاتها السياقيّة المألوفة، يستبدلها بعلاقات جديدة لا مألوفة فتكون بذلك "قفزة خارج المفهومات السائدة" . قد نتمثّل الشعريّة بهذا المفهوم انطلاقا من عمل المبدع وما يضفيه من جماليات إنشائيّة إبداعيّة يبتدع فيها آلياته الفنيّة، ولكن الأمر لا يقتصر على إنتاج النص بل يتجاوزه إلى فعل التلقي والقراءة باعتبار القارئ شريكا في العمل الإبداعي و"نشاطا يؤسّس تقاليد جديدة، وتغدو الوجه الآخر للنص" . وهو ما ذهب إليه بول ريكور حين رأى في النص وسيطا ينفتح على "ذات تشي بالتنوّع والتعدّد والتغييرات الطارئة عليها في إطار لون من نظام لعبي يغدو فيه تحوّل العالم وجها للتحوّل اللعبيّ الذي تشهده الأنا" . فـ"الكتابة والقراءة هما وجهان للحقيقة التاريخيّة الواحدة" . وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي أباحت التشابه والتداخل بين أشكال نصيّة مختلفة، ممّا جعل الفصل بين الأجناس الأدبيّة أمرا تجاوزه الدرس والممارسة، على اعتبار أن التداخل والامتزاج هو السمة الغالبة التي تلغي الحدود بين الأعمال الفنيّة وتعطي مساحة أكبر للتحرّر من كل القيود، ولعلّ ذلك بات منبع الشعريّة والجماليّة الإنشائيّة، فحين يمزج الشاعر بين السردي والشعري فهو يحدث مزاوجة بين الشعر والنثر، تتخلّى فيه هذه الأشكال عن خصائصها المائزة لتلبس لبوسا جديدا يميّزها وينشئ تفرّدها. على هذا الأساس قد نتجاوز الحديث عن نوع محدد للنص الشعري، أو قد نتحدّث عن اللانوع واللاجنس الأدبي أمام خلق لأنواع جديدة متفرّعة عن الأصول، تجعل جملة التنظيرات لمفهوم الشعر والشعريّة من الأمور التي تجاوزتها المقاربات النقديّة الحديثة، لتنتشلها من سلطة القوالب الجاهزة، وتفسح لها مسافة أمان يمارس فيها النص حركته وحريّته، يتملّص من قيود المواضعات البلاغيّة والعروضيّة القديمة، إذ لا حدود للشعريّة فهي تفكير بمعزل عن القصيدة كما يتمثلها المبدع بعين الناقد، أي أنّه "إعادة إنتاج متغيّر للشعر القديم. وفيها ملحمة تقبع داخلها بمعنى جديد" . الكتابة الشعريّة لعبة في اللغة وباللغة، فقط الشاعر يمكن أن يشكّل حدودها ثم يحاول أن يتمثل القارئ تلك الحدود فيرسمها في الذهن فضاءً جديدا ويحاورها. قد نكون بهذا التصور أمام تجربة شعريّة ارتأت أن تشكّل لذاتها كيانا خاصا ضمن رؤية إبداعيّة خلقت كونها الشعري الذاتي وفضاءها التعبيري المميّز، تندرج ضمن شعر التفعيلة، ولكن الشاعر أضفى عليها من رؤاه وذائقته ما يجعلنا أمام مجال فسيح للغة تتسع آفاقها لتسهم في خلق نصيّة شعريّة تتجاوز التفعيلة وقوانينها لتنفتح على النثر في تحرّره من كل المواضعات وتحليقه في عوالم قصيّة تتلوّن بألوان نفسه المتغيّرة وتنشأ في فضاء جمالي خاص، يحاول أن يلغي فيه الحدود بين النثر والشعر. تجربة أقامها علي الحازمي على الغياب فضاءً إدراكيّا جديدا للغياب والفراغ، في مجموعته الشعريّة "مطمئنّا على الحافة" وسنحاول الوقوف عند هذه الثنائيّة المتقابلة بين مفهوم الفضاء الذي يتشكّل عبر اللغة، ويستقيم نشاطا ذهنيّا لتمثّل المعنى، وبين ظاهرة الغياب التي تمثل المعادل الموضوعي للفراغ النفسي والوجودي. وبين هذا وذاك ترتسم جماليّة الخطاب وتنشأ الشعريّة في هذه الهرمونيّة بين العنصرين. سنحاول أن نبرز ذلك عبر منهج تحليلي تكاملي، ننطلق فيه من الظاهرة كما وردت في النص دون إسقاطات. وعلى هذا الأساس سندرس شعريّة الغياب في مستوى العتبات ثم نتحوّل إلى دراستها في المتن الشعري.

الغلاف واللوحة التشكيليّة

هو النص الموازي ( Paratexe ) علامة غير لغويّة تحيط بالنص وتمثّل امتدادا له. ويظهر "في شكل مرئي قبل أن يكون مكتوبا" . هنا قد نكون أمام ما يمكن أن نعتبره شعريّة التواصل والتلازم بين مكونات النص، بين ما يظهر على صفحة الغلاف من لوحة فنيّة وبقيّة العتبات الأخرى وبين المتن الشعري وما يختزنه من ظلال لتلك المعاني. تمثّل اللوحة صورة بسيطة في الظاهر، تتجه فيها الرؤية نحو الجزء السفلي للمرأة وحركة الساقين. تضع إحداهما على مساحة ثابتة والأخرى في فضاء يوحي بالتلاشي والفراغ، لتكون على شفا الهاوية في حركة أشبه بحركة راقصة "باليه"، وكأنّها تطير في الفضاء، وهو ما يوحي به فستانها الأبيض المخطط بالظلال. وهذا يجعلنا نستبعد الوظيفة التأثيريّة للغلاف لتتأكّد الوظيفة الإيحائيّة، فكل ما في المشهد يوحي بفضائين متناقضين بناهما على أساس تناظر محوري بين المرئي واللامرئي، هما عنصران رئيسيان تتجه إليهما العين مباشرة مقابل فراغ هو ليس مساحة بيضاء بل غلب عليه الأصفر الباهت الترابي وأوراق وزهور متناثرة متحركة في كل الاتجاهات، يميل لونها تارة إلى الترابي الفاتح وتارة أخرى إلى الأزرق الليلي الداكن. وقد راعى في ذلك التدرّج من البعيد إلى القريب وهذا ما يؤكّد على اهتمامه بالتفضية ورغبته في إبراز مساحة الفراغ التي تتدرج بدورها من الأعلى إلى الأسفل حسب مبدأ السقوط، وكأن وجودها على فضاء الصفحة وجود وظيفيّ لا يوحي بمعنى ثابت بقدر ما يعمق فجوة الفراغ، وهو ما يدل على اللاتوازن في فضاء الصفحة فتظهر المقابلة بين الكتلة والفراغ وبين الثبات والحركة. قد يكون لذلك أبعاد نفسيّة وفكريّة، تجعل من صورة الغلاف ذلك المتصوَّر الذهني الذي يرتسم في الذاكرة فتغدو الصورة المشهد التمثيلي للغة والنص.أو لعلّه من ضروب "مشهدة" العرض الشعري وتسريده وتهيئته للحدوث. فهو يتابع الذاكرة ويهيئها لاستيعاب الحدث فيحوّل الظاهرة إلى مشهديّة بعين تحاكي الواقع وتختزنه في الذهن، فتعبّر بذلك صورة الغلاف عن موقف شعوري ممّا يحدث في العالم الخارجي ولكنّه أشبه بحلم أو شريط يمرّ عبر التذكّر والذاكرة، ينطلق من واقع موجود عبّرت عنه الأرضيّة الصلبة التي قامت عليها الساق الأولى إلى متخيّل يحلّق في فضاء زهري للساق الثانية ولكنّه موسوم بالفراغ والصمت المطبق إلا من حركة خفيّة ينبض فيها الوجدان بأحلام لواقع جديد، محتملة يكون فيها "مطمئنّا على الحافة" و"العين تحدّق في الفراغ":

قالت امرأة للمسافر: خُذني إلى البحرِ،

هُناكَ وُلدتُ على شغفِ الموجِ

تحملُني الريحُ في رحلةٍ

لم أعُدْ أتذكّرُ منها سوى غُرْبةٍ

تتناسلُ في قَفْرِ رُوحي،

بهذا يرصد الشاعر حركة التناقض بين صورة اللغة ولغة الصورة وهي تعتمل في الذات، لعلّها الوجه الآخر للواقع، وهوما يسهم في تعميق الاحساس بالاغتراب ويوسّع هوّة الفراغ، ولكنّه في ذات الآن يرسم حركة شعوريّة تجسّدها المرأة، يلتقي بضلعه ومشاعره وأحاسيسه ويفارقها، وهذا من شأنه أن يدلّل على معنى الغياب يوقّعه بإيقاع الفراغ وكأن لوحة الغلاف صورة استعاريّة كبرى يبرز فيه مقدار الاغتراب عن النفس والفراغ الذي يحيط بها.

العنوان الخارجي وعلاقته بالعناوين الداخليّة والمتن

يمثّل العنوان كتلة خطيّة (graphique) مطبوعة على صفحة العنوان أو الغلاف، وهو من المصاحبات النصّيّة التي " تشكّل مجموعة أصوات أو لونا من القناع الرمزي القائم على التعدّد" . هو النص الموازي الذي يقوم على "مجموعة من العلامات اللغويّة (...) من أجل تعيينه وتحديد مضمونه العام" . لعلّه اللحظة الفارقة التي تحدد العلاقة بين الخارج والداخل وتفاعل المتخيّلات فيما بينها. فضاءات ينشئها المبدع فيخلق فيها ألق الإثارة ووهج الرؤية من عمق المعنى، وهو أمر أدركناه في هذه المحاورة لعنوان مجموعة الشاعر علي الحازمي "مطمئناًّ على الحافة" ويقوم على مستويين تركيبيين لنواة إسناديّة غائبة قد تكون مرتبطة بوضعيّة ماديّة هي الجلوس أو الوقوف أو ما شابه ذلك، وقد تكون مرتبطة بحالة ذهنيّة تحدّد وضعية المسند إليه الفكريّة كأن يقول أفكّر مطمئنا على الحافة. كانت ما كانت هذه النواة المقدّرة فقد استطاعت أن تخلق حالة للمتلقي معجونة بالغياب، يبحث عنها بعنفه الباطني ويتقصّى معناها الخفي عبر الحال "مطمئنّا" والظرفيّة المكانيّة "على الحافة"، وما يحمله المتمّمان من تناقض بين معنى الاطمئنان والسكون وبين الوقوف على الحافة وهي طرف كل شيء وآخره، فكيف تكون الطمأنينة في حالة الإشراف على النهاية والشعور بالسقوط. وهل يمكن أن تكون الطمأنينة الوجه الآخر للقلق؟ أو كأنّه التماهى مع الموت محصّل ميراث متراكم لوعي الفرد والمجموعة والحياة. هو تقليب لإمكان معنى الفراغ يجعل الحقيقي المعاش وهميّا أو قد يكون الوهمي حقيقيا معاشا. هنا تكمن الازدواجيّة أو حالة الفراغ من كل معنى للوجود، فهو على حافة الهاوية وعلى وشك السقوط فيها ولكنه مطمئن لأن قلبه سكن وهدأ.

برزت وشائج علاقة بين العنوان الخارجي والغلاف وبين اللوحة ومضمون العنوان وذلك في ما عبّرا عنه من مقابلات مثلت أصل الدلالة في هذه المجموعة، لتتشكّل صورة أشبه بالحلم تتمثّل فيها الأفكار والأشياء في مشهديّة مختلفة ولكنّها توحي بالواقع بكلمات منبعها اليقظة، خلقتها العلاقات الاجتماعية وعبّرت عن عوالم نائية، بعضها فسيح مسكون بهواجس الذات، وبعضها غير مسكون لكنّه أرحب وأكثر امتدادا، وبين هذا وذاك يزداد الفراغ. وهكذا ينشأ حلم الشاعر، وهو حلم شعريّ "يرمز إلى نقص الإدراك الإنساني، وإلى مأساة هذا الإدراك أمام العوالم والفراغ والعدم. وهو شعور له صلة بقلقه من أجل وعيه بنفسه ومصيرها":

سفرُ الحمامِ إلى غيابِكَ

لم يكن يكفي لترميم المسافة بيننا،

يكفي لأَلمسَ في بعيدِكَ صُورتي

شَفَقاً بهيجاً للتأمّلِ

في فراغِ الكونِ من عينيكَ،

ما معنى حياتِكَ في الهباءِ

وقد ورثْتَ من الندى

شجراً يشُدُّ وريدَ حلمِكَ

في كفوفِ الرمل !

إذا كان العنوان الخارجي أول العتبات وأبرزها، عبّر عن معنى التقابل والفراغ فإنه لم يكن بمعزل عن استراتيجيا الشاعر وهندسة بناء القلق في المجموعة الذي يعد بدوره فراغا يسعى إلى تأثيثه، وهذا من شأنه أن يهيئ القارئ لإحداث فضاء بديل قد ينشئه الشاعر أو يترك للقارئ مهمّة تشييده بتصوره وخياله. ويمكن أن ندرك ذلك أولا في علاقة العنوان الخارجي ببقيّة العناوين الداخليّة، وفي بناء هذه العناوين وعلاقتها ببعضها البعض ثم في علاقتها بالمتن الداخلي للنصوص.

ما يمكن أن نشير إليه في علاقة العنوان الخارجي ببقيّة العناوين الأخرى هو أنّه لم يمثّل عنوانا داخليّا، بمعنى أنّنا لم نجد له صدى داخل المتن الشعري ولم يشر إليه الشاعر بكونه عنوانا فرعيّا وإنّما غاب في المتن ليمثل بدوره صورة للغياب, وقد دلّ على الفراغ وهو مسافة توتّر بين الحالة والظرفيّة المكانيّة كما أشرنا سابقا، فالشعور بالاطمئنان قد يهدّد بالسقوط والنهاية، أو لعلها المواجهة للنهاية، وهي التي خلقت حالة الاطمئنان، فيغدو شعورا نافرا ارتبط بطرف كل شيء وآخره ممّا يعطينا انطباعا بأن الشاعر قد شكّل خطابه الشعري على معنى الغياب وهو فضاء من نوع آخر يحيط به الفراغ: فارغ من الحياة وفارغ من الموت فهل يمكن أن يكون اللامعنى والعبثي في الوجود؟ هو فراغ ناتج عن تمازج بين الذكرى والواقع المحتشد بالمشاعر والأحاسيس، ما بين الماضي والحاضر فراغ وجودي، كل شيء يغدو عدما ووهماً كسراب يطلّ في الأفق البعيد. بهذه الرؤية يتجاوز العنوان وظيفته الغرضيّة (Thématiques ) إلى وظيفة إغرائيّة (F.Séductive ) تقترن بالوظيفة الإيحائيّة، ويتجاوز ذلك العنوان الخارجي إلى العناوين الداخليّة التي تبني كيان النص وتفصح عمّا يختزله العنوان الأكبر. تتكوّن المجموعة الشعريّة من مجموعتين متكاملتين في معنى العنوانين "عين تحدّق في الفراغ" و"تأثيث الغياب" فالعين المحدّقة في الفراغ تأخذ صاحبها إلى رحلة تيه بين التأمل والغياب فيكون تأثيث الغياب علامة على اكتساح الفراغ فضاء جديدا وطريقا ممكنا بين الأحلام والشعر. فــ"الأحلام كالشعر وككل ما يوحي به اللاشعور لها قيمة تسمو على كل تقدير وذلك أنّها تنتزعنا من حياة العزلة، حيث نعيش أفرادا متفرقين وتصلنا بالأعماق النفسيّة التي تسخر من الحياة السطحيّة فتربطها بروابط خفيّة مع مصيرنا الأبدي" . كلاهما يفصح عن معنى الفراغ. قد تبدو المجموعتان منفصلتان في الظاهر ولكنهما متصلتان تمام الاتصال إذ تعبّر كلّ منهما عن حركة مكمّله للأخرى يحكمها منطق التتابع، فلئن دلّت الأولى على صورة الغياب بكلّ أبعاده باعتبار أن الفراغ هو التشكيل الفيزيائي للغياب، فإنّ المجموعة الثانية تمثّل الحركة الثانية، يسعى فيها الشاعر إلى تأثيث ذلك الغياب ومن ثمّ ملء الفراغ. انطلق الشاعر في المجموعة الأولى من سجلاّت لغويّة حكمت العناوين الداخليّة بدلالات الغياب والفراغ وأغلب هذه الدلالات اتصلت بعناصر الفضاء الجغرافي: "خذني إلى جسدي" وتفترض مسافة بين البداية والنهاية، هنا يمكن أن نتساءل عن هذا الفضاء الذي تنطلق منه المتلفّظة لتصل إلى الجسد في خطاب مباشر دلّ على معنى الطلب، وهذا من شأنه أن يعطي رؤية مخصوصة للمعنى والفكرة، فالمعادل الموضوعي للجسد هو العالم الحسي والمادي، وكأنّها حركة ارتداد من عالم الروح إلى عالم النسبيّة، أو لعلّها صورة لدياجير الذات المغلقة الشاعرة بالغربة يعبّرعنها عبر صوت المؤنّث التي قد لا يكون لها وجودا فعلياَّ أو لعلّها نفس الشاعر التي عزفت عن الانغلاق إلى المضي نحو آفاق رحبة أشار فيها إلى البحر رمز العمق والتفكير:

قالت امرأة للمسافرِ: خُذني إلى البحرِ،

هناك وُلدتُ في شغفِ الموجِ

تحملُني الريحُ في رحلةِ

لم أعُدْ أتذكّرُ منها سوى غربةٍ

تتناسلُ في قفرِ روحي

وهو الأمر ذاته في عنوان "دلّني صوتي عليكَ" يرتفع بنا الشاعر عبر هذا المعنى نحو عالم أثيري أشبه بالحلم، وما الصدى إلا إعلانا عن الفراغ والصمت وهو يعمّق وقع الغياب بترميم المسافات يغازل الشفق البهيج للتأمّل، هو وجه للاطمئنان ينتشله من السقوط فيتبع الصدى الذكرى:

وأنا أسيرُ إلى غيابكَ

تُزهرُ الذكرى على العتباتِ

تغريني بنقشِ اسمي واسمِكَ

في جناحِ الريحِ، في شفةِ السرابِ

لأستعيدَ من المسافةِ بعضَ أسئلةٍ

تلوحُ على التماعات الندى

وأنا أسيرُ إلى غيابِكَ

دلّني صوتي عليكَ

بذلك فالفراغ خلق لعوالم جديدة تنصهر فيها تجربة الشاعر الإبداعيّة، فينطلق من حدود الذاكرة والحس لينشئ فضاء جديدا هو مساحة القصيدة التي يعيد فيها ترتيب أشيائه. وهو الأمر في عنوان "أضاعت مفاتيح رغبتها" ولكن للفراغ شكل آخر هو فراغ الانتظار بين الرحيل والرغبة يشكّله الشاعر صمتا انفعالياًّ على صهيل الحافة. اشتغال على ثنائيّة الحضور والغياب، فإذا كان الحضور ظاهرة مرئيّة محسوسة فالغياب ظلاله غائرة في أعماقه لا يدركه إلا بالشوق والحنين:

أضاعت مفاتيح رغبتها

في تخومِ انتظارٍ تُمنّي به طائراً

راحَ ينزفُ من روحِها

بعينينِ خاليتيْنِ

من الدفءِ والحُبِّ والأمنياتِ

تظلُّ تجدِّفُ نهرَ فراغٍ

(...)

ليلٌ طويلٌ يمرُّ

على صمتِ عزلتها المعدني

والعذابات شاخصةٌ في مرايا

تطلُّ على حلمها بانهمارِ

وقد نلمح بعض الإشراقات الصوفيّة والتصوير السريالي للتعبير عن مكامن الذات الداخليّة وتفجير الحالات الشعوريّة بصورة تتجاوز الواقع المرئي نحو الحلم وسيلة للإدراك (انسحاب المسافر من ظلّه- عزلة الطير في ريشه- يسهل أن تعود إلى الصدى- طوق للغرق- تلويحة لالتماع الندى) هنا تظهر قيمة العناوين الداخليّة في تفجير المعنى وإعادة خلقه، بذلك فهو يفتح طريقا يراه ممكنا ولكنّه الفراغ حين يتسع بالحلم وهو يتجاوز الواقع في حركة تصاعديّة تعمّق الهوّة وتزيد الشعور بالغربة. فراغ آخر حين يدرك الشاعر المسافة الشاسعة بينه وبين الماضي والحاضر والمستقبل، فالماضي لن يعود والحاضر رهين الترقب والمستقبل غائم في ظل الرؤيا. إنّه تشويش لنظام الظاهر ولعب على أوتار الحواس، التقاط شعوري وجداني للعالم ظاهرها الذات في علاقتها بالآخر وباطنها فضاءات هندسيّة معقّدة.

ومتى أنعمنا النظر ندرك أن معنى الفراغ لعبة الشاعر في هذه العناوين يعبّر عنه عبر صور موحية موصولة بحالة الشاعر بكل متغيراتها وأطوارها:

أمضيتَ عمركَ بين تهوام السنين

وبين أسئلةٍ تُنازِعُ عرشَ روحِكَ

كلّما امتلأت بحفنَةٍ أُخرى

من التذكارِ والشجن القديمِ

لم تنتظرْ دنياكَ

خارجَ سورها العالي، هرعتَ

إلى التماعات النشيدِ وفجرهِ

آخيتَ في سفرِ المخيّلةِ

طفلَ حُلمكَ فارتقيتَ

لمنتهاهُ سلاما من فضّةٍ

علّلتهُ بالغيمِ في قيظِ الدروبِ ... وعلّلَكْ

خطاب مكاشفة يتشكّل عبر لعبة ضمائريّة يستعيض فيها بضمير المخاطَب عن المتكلّم وكأنّه بذلك ينأى عن الغنائيّة الكامنة في عمق النص، عبر حركة تسريد ناجزة تبعده عن أبعاده التعبيريّة الانفعاليّة إلى الحواريّة التفاعليّة. إنّه فراغ آخر يحدثه النص، حين ينطق الصامت ويصمت الناطق، وحين يجرد من ذاته ذاتا، مسافة هامة تفصل بين واقع المعاناة والرفض وبين الخيال في رحابته وجموحه. قد تكون استراتيجيّته في إنتاج المعنى في ضرب من المراوغة الإبداعيّة التي تنتشل النص من غنائيته العقيمة إلى مواجهة دراميّة ينشئها على أساس الصراع الداخلي بين ما كان وما ينبغي أن يكون. ولكنّها تكشف صورة حُلميّة لواقع افتراضي ينشأ فضاؤه التصويري من معطيات نفسيّة هي أساسا المحرّك الأول للغة، وهذا ما يولّد الكلام في مشهديّة مميّزة بأسلوب مخصوص في التعبير والتصوير يتجاوز الضوابط العقليّة ليجعل منها صورة أشبه بالسرياليّة، يمكن أن تعطي شعريّة للخطاب اقترن بدلالة الفراغ والغياب ولكنّه في الآن ذاته أثار نوعا من القلق النابع من رؤية للزمن عبرت عنها هذه العناوين بين الرغبة كما هو الشأن في نص "دلّني صوتي عليك" والتراجع كما في عنوان "عزلة الطير في ريشه" وهذا التناقض يبني الصورة العامة للديوان التي يختزلها العنوان الخارجي "مطمئناًّ على الحافة" بذلك فكل دروب النص تقود إلى الفراغ، وتقترن بذلك الصورة الفنيّة بزمن مبهم عبر ضرب من التوغّل في تشكيلات تصويريّة تجريديّة تعبّر عن حالة وجدانيّة، فيغدو الزمن بكل مراحله وعتباته لحظة واحدة داخل الواقع الذي يعبّر عنه الحاضر والآني، فيتحوّل إلى علامات لا تقرّ بفعل وحدث بقدر ما تعرّي حالة الفراغ. وكأنّ المشهد الظاهر بأسره مظهريّة تكشف عن اللامألوف بالمألوف وتخترق الواقع لتبني المحايث والمعادل له في ذهن المتلقّي ليصل إلى إلفه، وهو واقع جديد يبتغيه ولكنه يرفض فيه الحدث الأصلي لينشئ على أنقاضه حدثاً محتملا يتجدّد عبر تجدّد احتمالاته وآماله. هنا يعيد خلق المعنى لتتحول الدلالة إلى كائن نامٍ يحمل جماليته الخاصّة وشعريّته المميّزة، فتتفجّر به طاقات إيحائيّة من أخرى انفعاليّة فنيّة وتأثيريّة تؤكّد على الغياب وتعمّق رؤيا النص وتكثيفها وهندستها.

التصدير وعلاقته بالعنونة والمتن

يعتبر التصدير (Epigraphe) مكونا هامّا من مكونات العتبات، وعلامة بصريّة طباعيّة تصل بين فضاءين، باعتباره ضربا من الاستشهاد يدعم النص ويوسّع أفق التلقّي لدى القارئ. بذلك فهو "فضاء تصويري (Espace Figural) يحيلنا على خطابين وصوتين مختلفين، صوت خارجي ينبئ به الشاهد، وصوت داخلي ينبثق من النصّ ذاته" . وقد حضر التصدير في فاتحة المجموعة الشعريّة حيث صدّر الشاعر أثره بفاتحة لـ "برشت" ، وهنا يكون المزج بين أساليب الشاعر الأصيلة واهتماماته الدخيلة في ضرب من التحاور بين نص حاضر وآخر غائب يسعى من خلاله المبدع إلى توسيع أفق التلقّي ليدلّل على وجود خطاب آسر يمكن أن يشدّ المتلقي إلى معان خبيئة يتحوّل بها التصدير إلى علامة ثقافيّة وكلمة سر بالنسبة إلى الهويّة الذهنيّة، وهذا ما يهيئ للتعدّد اللغوي(لغة الشعر ولغة المسرح) ولعلّنا إزاء لعبة تعدّد الأصوات (polyphonie) في المجموعة، فلا يقتصر الأمر على صوت الشاعر بكل ذواته (الـ"أنا"/ الـ"أنتِ"/ الـ"أنتَ")، بل هناك صوت آخر يصدح في أعماقه يعاند الفراغ والصمت ويعبر عمّا لا تدركه لغة التصريح. هو فضاء جديد يقيمه على ثنائيّة الماضي والمستقبل يرسمه عبر تشكيل هندسي يقوم على أساس تناظر محوري بين لحظتين فارقتين: ماض عبّر عن الرضا ودلّ على معنى الاطمئنان الذي ارتبط فيه الوجود بوفرة الحظ، ومستقبل يرنو فيه إلى لحظة يحقّق فيها نصيبا أوفر من الحظ ما زال في حاجة إليه. مسافة فراغ بين "كان" و" مازال" تخلق تأرجحا بين الشعور بالرضا في الماضي حالةً ثابتةً، وبين الانتظار والرنوّ إلى حدث غير متوقّع خارج عن إرادته في المستقبل مبنيّة على التوقّع، هنا قد نكون إزاء لعبة أخرى يمارسها الشاعر، هي لعبة الأزمنة وما يحدثه فيها من دلالة على الفراغ وهي الوجه الآخر للغربة. فالماضي مثّل الانقضاء والمستقبل غائم على الحافة، ولا حقيقة في الظاهر إلا للحاضر الذي يتحدّد فيه وجوده الفيزيائي المقترن بالفكر والشعور، ولكن رغم ذلك لا وجود للحاضر لأن "الماضي هو قوّة الزمن الباقية" بهذا فالحاضر بكل ما فيه مجرّد وهم وفراغ، لأجل ذلك ظل المتكلّم على الحافة لا يفقه ما سيكون، ولعلّ قول نجيب محفوظ "من يحمل الماضي تتعثّر خطاه" خير معبّر عن الحالة. وفي هذا الإطار تنبجس صورة أخرى للفراغ باعتبار أن الحظ كما اُتفق عليه لغز خفيّ بسبب غموض الأبعاد والتصورات المحيطة به، وهي أبعاد ميتافيزيقيّة لا يمكن إدراكها أو التكهّن بها، ممّا يجعل المتلفّظ "على الحافّة" وقد أشار إلى ذلك بجملة من القرائن النصيّة "أتبيّن" الذي دلّ على التأمل والتفكير، و"أرتعش" ويحيل إلى الحالة الشعوريّة التي بدا عليها المتكلّم، وهي حالة قلق تسبق مرحلة المعرفة والوصول إلى اليقين، ولكنّها قد تدلّ أيضا على لحظتين فارقتين هما لحظتا الأحلام والرؤى، اختزل فيهما مساحات فراغ أثّثها بالحلم بين ما كان وما ينبغي أن يكون ولكنّه على حافة لا يدرك فيها حقيقة المستقبل وما سيكون، وكأن استدعاءه لهذا النص الغائب تأثيث آخر يتجاوز المخيلة إلى المساحة الشعريّة، يستعير فيها قول بريشت فتساعد العقل الباطن على التملص من الواقع وتفكيكه إلى إعادة تركيبه وفق تصوّره الخاص، محوّلا شحنة وجدانيّة من النصّ الغائب إلى النص الحاضر وسياقه الشعري الخاص، فيكون بذلك التصدير "حركة صامتة" تسهم في شرح العنوان الخارجي وتوضّحه وتستجلي مظاهر الإيحاء والترميز فيه. وهكذا فأزمة الشاعر تقترن بالزمن، يندثر الماضي بما أنّه غير كائن ويختفي المستقبل في الماضي لأنه لم يحن وجوده بعد، أما الحاضر فلا يكفّ عن الانمحاء ومحنة الشاعر الانسان الترقّب. وإذا أنعمنا النظر في هذه المعاني التي احتضنها التصدير في المتن الشعري نقف إزاء تكرار لفظ الحظ مرات عديدة، فيكون الحضور المباشر للتصدير في النصوص من ذلك قول المرأة للمسافر في نص "خذني إلى جسدي":

لم تعُدْ حاجتي للقليلِ من الحظِّ

تُسعِفني بالمزيدِ من الصّبر

كيْما أُقلِّبُ جمرَ انتظاري الطويلِ

ترتبط الشكوى بالاعتراف في قول المتلفّظة ولعلّها نفس الشاعر وهي تستعير المعنى وتعبّر عنه في مشهديّة مراوغة يبرز من خلاله حاجته إلى المزيد من الحظ. ويقترن هذا الأخير بفلسفة وجود الإنسان في إطلاقيته وفي بحثه عن الاستقرار وملء الكيان، ويتأكّد المعنى من خلال حشد جملة من الشخصيات في نفس هذا السياق الشعري (قالت إمرأة للمسافر... يقول فتى لفتاة... الذاهبون إلى البحر) وهي شخصيات غائمة لا ملامح لها إلا ما تعرضه من حوارات شكّلت عنصرا أساسيّا للتعبير أو ما يتصل بهم من تسريد ينبئ بغاية الشاعر ورغبته في تفجير الطاقات الإيحائيّة لمثل هذه المشاهد الحواريّة والسرديّة التي مكنت من إنشاء تفضئة داخليّة شكّلت بدورها مساحة من الفراغ، وهنا تتشكّل مرّة أخرى شعريّة الفراغ في مثل هذا النص من المجموعة، كما نقف إزاء حضورا غير مباشر للتصدير من خلال قرائن موحية هي أساسا تعبير عن حركة الزمن كما يقول في نص "دنياكَ خارج سورها العالي":

ما كُنتَ لو تحظى بباقي العمرِ

تُدرِكُ ما أضعتَ من الحياةِ وسربِها

ضاقت بخطوِكَ ضِفّةُ الأملِ القصيِّ

وجرّدتكَ الأرضُ من حنّائها،

لم تدّخرْ سبباً وحيداً كافياً

لرجوعِ صوتِكَ من غياهِبِ أمسهِ

هي رحلة الشاعر بين الفراغ واللغة، وبين الصمت والشعر،وقد مثل الصمت والفراغ عنصرا بنيويّا في رحلة البحث عن معنى. فلم يعد الامتلاء أفقا للبحث وإثبات الوجود بل صار الفراغ مطلبا يبحث فيه الشاعر عن حياة مفقودة. لعل الشعر هو الفضاء البديل ولغته المشحونة بكمٍّ فنيٍّ متمرّد على الأشكال الموروثة المألوفة، فنكون إزاء نصّ يبحث في الفراغ ليؤثّث الغياب، فضاء جديد من فراغ وصمت ولكنه مشحون بمخيال إمكانيّ يعشق المطلق ويرنو إلى لحظة صفا على أنقاض نفس متبرّمة من الزمن تتدافع أبعاضها إلى لحظة حلم بعيدة فتلجأ إلى الماضي، لكنّه يزيد من هزيمتها. ومضاته موحية بالهجر والفراق، فالزمن الواقعي الذي يشكّله بكل معاني الواقعيّة وسماتها إنّما هو فضاء فارغ من كل ما يرغب فيه الشاعر يقيمه على المواجهة ويغدو فيه البطل الرئيسي لأحداثه، هو الحاضر الغائب، مكتظ بدلالات الفراغ النفسي والعاطفي حدّ الصراخ. إنّه واقع يحوّله إلى خيال وخيال يقتحم واقع كل قارئ ليعرفه، لعلّها استراتيجيّة الشاعر وما تنطوي عليه من مواقف يحفظها في ذاكرة الحرف فيكشف ما يجسّد التميّز الحضاري لعرش الشعر الذي يكتب فيه نصّه الحاضر. قد تكون مغامرة في القراءة والتأويل لاكتناه عالم الشاعر، ولعلّها مسافة فراغ أخرى بينه وبين النص، يتحيّن فيها القارئ المعنى في كلّ لحظة تأويل ليس بما يظهره النص بل بما يخفيه ويسكت عنه أو تسكت عنه اللغة حتّى تحتمي بالإيحاء أو الصمت. وهاهنا قد يشعر القارئ بالفراغ حين يغيب الشاعر ولكن قد يحضر الغائب حضورا مضاعفا.

  • ناقدة تونسية
خيرية مباركي
علي الحازمي