ما زلت أذكر جيداً ذلك الحديث الممتع الذي جمعني بمهندس أجنبي متخصص في مجال التقنية والاتصالات والذي يعرف المملكة وخاصة العاصمة الرياض أكثر من وطنه الأم أميركا، فقد قدم شاباً قبل عقدين ونصف إلى المملكة للعمل في إحدى الشركات المتخصصة في الاتصالات والتطوير التقني. ويحفظ «جيف» الكثير من المفردات والجمل العربية بلهجة أهل الرياض، كما يحفظ أيضاً بعض العبارات والأمثال بمختلف اللهجات السعودية، ولكن الأقرب لقلبه والتي يُصافحك بها دائماً هي التحية الجنوبية «مرحباً ألف» التي تعلمها من شاب جنوبي كان يعمل معه بنفس الشركة، ويعتبرها جيف التحية الأجمل على الإطلاق لأنها قمة المبالغة في الترحيب والضيافة.

حديث عابر مع جيف الأميركي - السعودي - «كما يحب أن يصف نفسه» لكنه كان أشبه بجرعة كبيرة من الفخر والاعتزاز بهذا الوطن الملهم الذي اعتز بالانتماء له.

يقول جيف: هذا البلد المضياف، هو أفضل مكان في العالم يحتضن كل أنواع ومستويات البشر، إذ يستطيع كل إنسان مهما كان مستواه أن يعيش بسلام وطمأنينة، كما يعتبر جيف العاصمة الرياض، مدينة عصرية وعالمية، وقادرة على أن تمنح كل شخص الحياة التي تناسبه، ففي هذه المدينة المليونية التي قد تبدو بأنها في قائمة أغلى المدن العالمية، إلا أن باستطاعة أي شخص أن يدفع أقل من 20 ريالاً ثمناً لوجبة غذاء أو عشاء، والأمر كذلك في شراء السلع والسكن في الشقق، وهكذا في كل ملامح وتفاصيل الحياة في هذه العاصمة الكبيرة، الحياة في السعودية تناسب كل الطبقات والمستويات، كما يؤكد ذلك جيف.

حكايتي العابرة مع جيف، رغم أهميتها كصورة جميلة لوطني بعين الآخر، إلا أنها ليست سوى مقدمة لفكرة المقال الذي لم يتبق منه إلا القليل، وهي الأسعار الجنونية والمتزايدة للمقاهي والمطاعم، خاصة تلك التي تصف نفسها بأنها من فئة الخمس نجوم أو ذات المستوى الفاخر، وهي بلا شك حالة مقلقة تتطلب مراقبة وضبطاً من قبل الجهات المعنية بهذا القطاع الحيوي الكبير الذي يُقبل عليه السعوديون بكل فئاتهم ومستوياتهم، ولعلّ بيانات البنك المركزي السعودي «ساما» التي تُشير إلى أن إنفاق المستهلكين والمرتادين للمقاهي والمطاعم في المملكة خلال أسبوع واحد فقط يتجاوز المليار ريال، تؤكد على ضرورة عمل دراسات ووضع لوائح بأسعار مناسبة لأصحاب المقاهي والمطاعم وللمستهلكين، وذلك من أجل الحفاظ على علاقة بينية متوازنة بين مختلف الأطراف وصنع حالة اقتصادية مستقرة وطبيعية للوصول إلى جودة الحياة التي تُعدّ إحدى الركائز الكبرى لرؤية المملكة الطموحة 2030.

فهل يُعقل مثلاً، أن تتناول وجبة فطور مكونة من طبق بيض وكوب قهوة بمبلغ قد يصل لـ 160 ريالا؟، أو تُنفق 600 ريال ثمناً لأربع تذاكر لعائلتك لتقضي دقائق في جولة بحرية؟، أو تدفع مبلغاً كبيراً لحضور مسرحية هزلية أو حفلة غنائية؟ ارتفاع الأسعار أمر طبيعي ويحدث في كل القطاعات والخدمات، لأسباب كثيرة تتطلب ذلك، هذا الأمر لا خلاف حوله، ولكن المشكلة العظمى هي هذا المنحنى الجنوني لارتفاع الأسعار.