الواقع بتأزماته ينعكس على الفهم، وبالأخص مع انعكاسات الأهواء، وتعدد الميول، وتنوع الخيارات بسبب بروز ثقافة التواصل التقني والافتراضي التي انعكست على كل شرائح المجتمع الذين يعيشون خداع المتابعة، وهشاشة التداخل، وظهور حالة التيه الفكري.

الوعي.. بطبيعته القصْديّة يستوجب عالماً يخرج إليه ويقصده ويتفاعل معه، فالوعي وعيُ الأشياء التي من دونها يبطل مقامُه، وتسقط وظيفتُه، ويتعطّل عملُه، الوعي في نظر هوسرل قصدٌ عفويٌّ يستدعي المقصود.

مؤكد أن الفهم ثمرة من ثمار الفكر، وبحسب مستوى الفهم وفعالية أدواته من الاستيعاب والتحليل فالوعي وما بينهما من مراحل التركيب والنقد، تكون قيمة الفكر وأثره في الحياة، ولا شك أن إدمان التواصل الافتراضي جعلنا نتساءل هل نعيش حالة إثراء أم إفلاس فكري، أو هي حالات تواصلية لم نستطع أن نعرفها، أو لنقل لم نهتم أن نفهمها، ونعرف قيمتها.. ونتساءل: ماذا يتطلب اليوم منا لتهذيب فكرنا، وترتيب اتجاهاتنا العاطفية، وصياغة سلوكنا الحديث الذي يمكن أن يتناسب مع هذه الفتنة التقنية التواصلية.

«بين الإثراء الفكري والإفلاس قيد شعرة، وكلاهما نتيجته واحدة، ومن المهم تفعيل الفكر لغاية سامية، ومنهج عقلاني حكيم، من خلال التعاطي الإيجابي معه، حتى لا يكون محض مهزلة عقلية، في سياج فكر مزخرف، لا قيمة له في الحياة».

حين نتأمل قليلا أصبح وأمسى كثير منا يعيشون في عزلة فكرية عن واقعهم فلا يستطيعون التعايش الاعتيادي لأن فرضية الشخص الثاني أصبحت مسيطرة بكثافة جعلت الكثير يميلون إلى تقمص وجداني طارئ، ومحاكاة لا تمثل ذواتهم الأصيلة، ومال بهم الأمر إلى تشكل مختلف من الفكر والتعاطي مع وجهات الآخر.

والواقع اليوم - في رأيي - يضعنا بين إفلاس فكري يمارس منطق خاطئ عند الحضور مع الأخر في أي ساحة يفترض منطق مثله، والفكر اليوم يتطلب ضوضاء سلوكية وفوضى ذهنية قد يجدها الكثير في كل أبعاد الحياة ضمن هذا المحيط التقني المأزوم بالمحتوى الضخم الذي لا نتحمله في في حقيقة الأمر، ونتصنع أننا قادرون على احتواء عقولنا أثناء تدفق تأثيراته المختلفة.

أعود إلى مسألة تتقعد على أن الفهم السليم يفترض فكرا سليما، والنفسية القويمة تفترض صحة الفكر، والممارسات الفاضلة تستوجب ردا سوياً، وهكذا فحسن المقدمات في تفاعل تواصلي يقود إلى حسن النهايات، والخير لا يأتي إلا بخير، والشر ينفث الشر.

ويبقى القول: الحضور الاجتماعي في الافتراض التواصلي يمكن أن يفهم سلبيا وإيجابيا في نفس الوقت ما بين زخرفة القبح، وقبح الزخرفة.. في الفهم السلبي المناكفات الفكرية تعد منفصلة، منعزلة ومتصارعة في محاولة لإقصاء بعضها البعض. أما في الفهم الإيجابي فدهشة الأطروحات المتنوعة الواعية تمثل مع بعضها البعض بيئة حافزة نحو الخصوبة الفكرية بيننا.