لا يمكن إغفال هيمنة "ثقافة الصورة"، كما لا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من خطورة العزوف القرائي الذي يعيشه شبابنا؛ وهو خطر لا يمكن حصر تبعاته سيما وأننا نعيش عصراً مُعولماً متسارع الإيقاع، وتغيّرات طالت الفكر والسلوك لدى فئة الشباب، ما يجعلهم عرضة للهشاشة الفكرية والوهن النفسي والعطب الروحي؛ فضلاً عن خطورة ما قد يطالهم من إغواء وسهولة الوقوع في فخاخ الأفكار المتطرفة، والتشدد الذي قد يقودهم لكل سلوك مُعادٍ للحياة.

من هنا فإن تسييج عقول شبابنا بالثقافة وتعزيز منظومة القيم الدينية والمجتمعية ضرورة تستدعي الكثير من الجهد والتكاتف، ومع أهمية هذه الجهود وتنوعها إلا أن الكتاب والكلمة هما الرهان الأمضى والسلاح الأكثر فاعلية؛ ولا صحة لما يثار حول خفوت قيمة الكلمة والكتاب؛ فرغم سطوة الصورة والاستغلال الشرس والكثيف لها بكافة أشكالها عبر الوسيط الميديائي؛ إلا أنها لن تغلي قيمة الكتاب أو توهن دور الكلمة؛ في تعليق مهم للروائي الإسباني كاميليو خوسيه ثيلا الحائز على نوبل للآداب عام 1989م، قال: "أنا لست على يقين بأن الثقافة المعاصرة "تسودها" الصُّور، كما لا أؤمن بأن للتلفزيون تأثيره الإفسادي أو التسخيفي على الناس، أو أن صورة واحدة تساوي آلاف الكلمات المكتوبة، إنني أؤمن بأن أي شيء قادر على إثارة الاهتمام بالثقافة هو شيء يستحق العناية، وأن اهتماماً كهذا يمكن إثارته عبر التلفزيون"، ويواصل كاميليو خوسيه رأيه وتعليق النابه قائلاً: "الكتابة سوف تُبقي على التلفزيون، تماماً مثل عدم ورود أمر القضاء عليها بالإدراك الحسّي الملموس، ذلك لأن المعاني المُثارة مختلفة، أنا أعتقد بأن معنى واحداً ينبغي أن يطغى على المعاني الأخرى، الأمر المهم هو أن تعمل المعاني معاً".

لعل هذا التعليق يبرهن على أن الكلمة بدلالاتها وظلالها العميقة حاضرة بقوة؛ كانت وما زالت الخيار الأجمل والأقدر لدى المثقفين والمفكرين للنهوض بالفكر والارتقاء بالوعي الجمعي خصوصاً لدى الشباب للنهوض بأدواره المنتظرة؛ وهو ما يستوجب أن يقوم المثقفون والمفكرون وكذا الكُتّاب بالإسهام بفاعليّة في إحداث مواءمة حقيقية ظاهرة في المشهد الثقافي ليكون مُجارياً للمتغيرات الحضارية الجارفة، وأن نعزّز اهتمامنا بالكلمة لتكون خليقة بدورها المنوط بها، حاملة للفكر وناقلة لشتّى الأنساق المعرفية الإنسانية. إن معرض الكتاب المرتقب بحلته الجديدة المرتقبة وبرامجه المتنوعة سيكون بلا شك طريقاً ممهداً للاحتفاء بالفكر والجمال والثقافة والكلمة، فبالكلمة نحقق سلامنا مع أنفسنا ومع الآخرين.