مَن يراقب الوضع في إيران خلال الأعوام الأخيرة يصل لاستنتاج بالغ الوضوح، أن صبر الشعب الإيراني قد بلغ ذروته، وأن الشرعية الشعبية للنظام باتت في أدنى مستوياتها، يتبدى ذلك عبر كثير من الثورات الموؤدة ومسيرات الغضب والاحتجاج التي توالت خلال العقد الأخير وتم وأدها بهراوة العنف والبطش الذي لا يعرف حدوداً أو أعرافاً إنسانية.

الجريمة الوحشية التي أودت بحياة الفتاة الكردية الإيرانية مهسا أميني على يد ما يسمى بـ»شرطة الأخلاق»، مثلت فصلاً جديداً في جرائم الدولة القمعية، الأمر الذي أطلق موجة غضب شعبية اتخذت في أطوار منها منحىً عنيفاً، وكالعادة وُوجهت هذه الثورة بعنف مطلق وصلاحيات واسعة لقوى القمع باستخدام كل وسائل العنف ضد المتظاهرين والمحتجين، وعلى الرغم من ذلك توسعت دائرة الاحتجاجات إلى عدة مدن إيرانية.

هذا السجال المستمر بين نظام شرس وشعب ثائر لا يمكن المراهنة فيه أبداً على قبضة الأمن لضمان بقاء النظام، فالقمع الشديد قد ينجح زمناً في بث الخوف والرهبة في نفوس الثائرين، إلا أن استمرار تهاوي جمهورية الملالي، وانهيار اقتصادها، وتردي أحوال الناس، سيشهد في لحظة ما سقوط حاجز الخوف، فصبر الشعوب ليس بلا آخر، وحتى أكاذيب النظام التي ساقها بخصوص واقعة الفتاة الكردية كذبتها عائلة الضحية البريئة، ما يكشف تهافت حجج النظام وهشاشة وضعه، وهكذا فإن هذا السجال سيستمر مستنزفاً ما بقي من شرعية النظام الثوري، ولن يجدي هروب هذا النظام إلى الأمام إلا في زيادة الاحتقان الشعبي، ونضوج أسباب الثورة الشاملة والأخيرة.