يُعاني عدد من المرضى ممن هم بحاجة ماسة وملحة للعلاج الطبي والعناية الصحية من رفض شركات التأمين لعلاج ما تطلبه جهة صحية ما كمستشفى أو مستوصف من الشركة للمريض، وكذلك من البطء في الحصول على الموافقة، وذلك بسبب الاختلاف والتباين الحاصل فيما بينها وبين الجهات الطبية المرتبط بتشخيص الحالة الصحية للمريض.

خلال تلك الفترة يُعاني المريض الآمرين من الانتظار بين الموافقة أو الرفض المحتمل لشركة التأمين، رغم أنه وكما نما لعلمي أن عملية الرفض أو الموافقة بين الجهات الصحية وشركات التأمين تخضع لبروتوكول معين حُددت بمدة ستين دقيقة، بحيث في حال تأخر إرسال شركة التأمين للموافقة خلال تلك المدة، فإن ذلك يُعطي الحق للجهة الصحية البدء في خطوات ومراحل العلاج بصرف النظر عن استلام موافقة شركة التأمين من عدمه، ولكن وللأسف الشديد وكما يبدو من الناحية العملية أن هذا البروتوكول غير مطبق وغير معمول به فعلياً وكما يجب.

من منطلق الحيادية في الطرح فأنا لا ألقي باللوم في ذلك لا على الجهات الصحية ولا على شركات التأمين بشكلٍ منفرد ومنفصل عن الآخر، وذلك لسبب واحد بسيط، وهو كون أن رغبات وتوجهات الطرفين المالية متناقضة ومتباينة بشكلٍ واضح للغاية، حيث في الوقت الذي تَسعى فيه الجهات الصحية إلى تعظيم أرباحها، في المقابل وعلى النقيض من ذلك، تَسعى شركات التأمين إلى التَحكم في مصاريفها التشغيلية بخفضها، وبالذات وأن منها ما يُعاني من خسائر تشغيلية باهظة، تَعكسها القيمة المتدنية لمعدل أو مستوى النسبة المركبة أو المجمعة لتلك الشركات Combined Ratio والتي بمقتضاها يتم قياس ربحية شركات التأمين.

برأيي أن التغلب على مشكلة الخلاف والاختلاف الحاصل ما بين الجهات الصحية وشركات التأمين في تشخيص حالة المريض والاتفاق عليها، يتطلب حوكمة العلاقة بين الطرفين وسَن بروتوكول يحكمها، وإن كنت لا أشك بأنها ليست محكمة ولا يحكمها بروتوكول تعامل معين ومحدد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، ما مدى التزام الطرفين الحرفي بذلك؟.

كما أرى أهمية الإسراع في إيجاد هيئة لقطاع التأمين، بحيث تكون هي المشرع والمنظم والمراقب للقطاع، وبالذات وأن الحاجة أصبحت إليها ملحة في ظل تَعدد وتغير المسؤولين عن إدارة القطاع بالبنك المركزي السعودي "ساما" خلال فترة قصيرة من عمر الزمن، ما تسبب في عدم استقرار واستدامة الإدارة المباشرة على القطاع.

ومن بين أيضاً أحد الحلول المناسبة لقطاع التأمين الصحي، تبني تطبيق مفهوم التأمين الوطني، كونه يتمتع بمميزات عديدة مقارنة بالتأمين الصحي التجاري بسبب خضوعه للإشراف والرقابة المباشرة من الدولة، حيث إن من بين مزاياه العديدة، عدم فرض أو تحديد سقف للتغطية التأمينية، وعدم مطالبة المؤمن عليه بتحمل نسبة استقطاع معينة، وكما هو مطبق وواقع الحال بالنسبة للتأمين التجاري، والأهم من ذلك وذاك، أنه يمنع ويحد من أن تكون صحة المواطن سلعة يتاجر بها.

إن تطوير قطاع التأمين الصحي في المملكة، يتطلب كذلك تعزيز وعي المؤمن عليهم بحقوقهم وواجباتهم والتزاماتهم تجاه شركات التأمين وبالعكس.

أخيراً وليس آخراً، إن تبني إطلاق المزيد من صناديق للتأمين الصحي الوقفي، على غرار “صندوق التأمين الصحي الوقفي لوقف الشفاء"، الذي أطلقه مؤخراً صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، بالتزامن مع احتفالات المملكة باليوم الوطني السعودي 92، سيخدم قطاع التأمين الصحي، كونه يُعد حلا بديلا مناسبا لقطاع التأمين الصحي التجاري، باعتباره يُعنى بإصدار خدمات التغطية الصحية للمرضى المستفيدين من المقيمين غير المشمولين بخدمات الرعاية الصحية المجانية وأهلية العلاج في المستشفيات على مستوى المنطقة.

مثل تلك الحلول وغيرها، ستعمل على إيجاد منتجات تأمينية صحية نوعية ومستدامة، تكفل تقديم خدمات الرعاية الصحية المتكاملة في الوقت المناسب وبجودة عالية للمستفيدين من المرضى المحتاجين، وكذلك ستحسن من تجربة العملاء Customer experience، كون أن بعض المؤمن عليهم من عملاء شركات التأمين يشكون من مطالبة الجهات الصحية لهم بدفع مبلغ إضافي مقابل مراجعتهم للأطباء الاستشاريين.

إن تلك الحلول يتوقع لها أن تحسن من أداء قطاع التأمين في المملكة، الذي شهد نموًا قُدر بـ 8.4 في المئة خلال العام 2021 وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن البنك المركزي السعودي. كما أنها من الممكن أن تَحسن من عمق القطاع في الناتج المحلي غير النفطي الذي بلغ 1.91 % خلال عام 2021، ليسجل بذلك انخفاضاً قُدرت نسبته بـ -0,01 %، وكذلك ستحسن من معدل الخسارة الإجمالية للقطاع، الذي ارتفع معدلها الإجمالي من 76.7 % في عام 2020، إلى 83.4 % خلال عام 2021، هذا بالإضافة إلى أنها ستحسن من خسائر القطاع التي بلغت 47 مليون ريال خلال عام 2021، مقارنة بصافي ربح بلغ 1.38 مليار ريال خلال عام 2020.