الأسرع منذ 4 عقود.. الركود التضخمي.. سيناريو السبعينات.. هكذا بدا التضخم مسيطراً على عناوين الأخبار طوال العام، بعدما ساهم في تدهور الأسواق المدفوعة الآن بالمشاعر بعيداً عن الأسس الفنية العتيقة، ولهذا، فإن التحدي الرئيس أمام معظم الاقتصادات هو مواجهة رياح التضخم المعاكسة التي أضعفت القوة الشرائية، ودمرت الطلب، فيما لا يزال المستثمرون يحلمون بازدهار الأسهم، واسترداد الشركات عافيتها، وانتعاش أسعار الأصول، وتعافي السندات التي تكافح للتكيف مع الواقع الجديد.

والواقع، أن الحماية من التضخم مثل أي بوليصة تأمين، فنحن نمتلكها دائمًا حتى عندما لا نحتاج إليها، ومن المؤكد أنك لن تشتري تأميناً ضد الحريق بعد احتراق منزلك، ولا يجب أن تنتظر حتى تمتلك الحماية من التضخم، ولهذا، يجب على المستثمرين معالجة آثار التضخم وتضمينه في استراتيجيتهم، لأنهم إذا لم يفعلوا ذلك، فقد يؤدي ذلك إلى تآكل قوتهم الشرائية وتقليص عوائدهم، فمثلاً، إذا حقق مستثمر السندات عائدًا بنسبة 4 ٪، وكان التضخم 6 ٪، فإن القوة الشرائية لأصل الاستثمار تنخفض، وتتركز أبرز استثمارات التحوط في السلع، والذهب، والعقارات، والأسهم، وسندات الخزانة المحمية من التضخم، والبنية التحتية مثل الطرق والجسور والموانئ والمطارات.

يبقى الانتقال من الركود إلى النمو مكلفاً للغاية، بسبب المستوى القياسي للتضخم، وقد استجاب الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في أربع مناسبات مختلفة خلال العام الجاري، مما سمح بفرصة تقييم المحافظ الاستثمارية التي نجح بعضها في تفادي الضرر الأولي للتضخم، ومنها أسواق السلع التي حلقت بفضل ارتفاع أسعار الطاقة، وغالبًا ما تكون السلع أول فئة من فئات الأصول التي يفكر فيها المستثمرون عند التحوط، إلا أن مشكلة السلع هي في التقلبات الهائلة للأسعار بفعل تغير الطلب، وقوة الدولار، والكوارث الطبيعية.

رغم أن البعض يشبه الظروف الاقتصادية الراهنة بفترة السبعينات، مستشهدين بالبداية الوشيكة للركود التضخمي، إلا أن الذهب فشل في هذه المقارنة، فعندما انفجر التضخم عام 1973، متجاوزًا حاجز الـ 6 ٪، وصل سعر المعدن الأصفر إلى أكثر من مائة دولار للأونصة، إلا أنه مع انفجار التضخم الآن حدث تراجع مفاجئ، ففقدت سبائك الذهب 15 ٪ عن ذروتها في أغسطس 2020، أما الأسهم فهي أفضل استثمار للتحوط طويل الأجل، فمنذ عام 1927، نمت عوائد الأسهم بشكل أعلى من التضخم بالتوازي مع نمو أرباح الشركات، والأمر نفسه ينطبق على العقارات، فهي مازالت قادرة على مقاومة التضخم بكفاءة على المدى الطويل.

خلال أشهر التضخم، اعتبر البعض الكاش وسيلة آمنة للتحوط، ولكن على مر التاريخ، لم يتفوق النقد على التضخم، لكن حائزوه يمتلكون ميزة مهمة للغاية وهي عدم خسارة المال، أما البعض الذي كان مولعاً بالعملات المشفرة لسنوات، واعتبروها في وقت ما تحوطاً يفوق الذهب، فقد فاجأهم أداؤها البائس هذا العام، في الوقت نفسه، تحظى سندات الخزانة المحمية من التضخم بشعبية كبيرة، فهي ترتفع وتنخفض جنبًا إلى جنب مع أسعار المستهلك، وقد تطابقت مدفوعات الفائدة على أذون الخزانة مع نمو التضخم على المدى الطويل.

يتطلع المستثمرون إلى نجاح استراتيجيات بديلة في جني الأرباح، وبالفعل، حققوا نجاحًا مقبولاً، فقد تجنبوا خسائر فادحة في أسواق الأسهم والسندات، ولكن هذه الاستثمارات فشلت في تحقيق مكاسب كبيرة، ومع هذا فإن الاستعداد للتضخم أمر مختلف، فما نجح من قبل قد لا ينجح مرة أخرى، وقد تزدهر السندات والسلع وصناديق الاستثمار بقوة، وعلى الرغم من أن المحافظ الاستثمارية من السندات قد تحقق أرباحاً كبيرة، إلا أنها استراتيجية تحوط متطرفة للغاية، والبعض يعتبرها غير عملية بالمرة، لأن قيود الشراء التي تفرضها وزارة الخزانة الأميركية على السندات تمنع الكثيرين من حيازتها.