الدور الذي لعبته المملكة في تبادل أسرى الحرب بين روسيا وأوكرانيا جاء ليؤكد المكانة التي تمتع بها المملكة على الصعيد العالمي. فالمملكة ليست لاعباً إقليمياً بارزاً فحسب وإنما لاعب دولي يحسب لها ألف حساب. والأمر هنا لا يتوقف على أسواق النفط، حيث ينظر الجميع إلى موقف المملكة داخل منظمة أوبك وأوبك+ لأهميته في استقرار الاقتصاد العالمي، وإنما يتعداه إلى كثير من القضايا التي يعتبر فيها موقف المملكة مهماً جداً، وخاصة في التكتلات العالمية التي تشارك فيها مثل مجموعة العشرين وبريكس وغيرها.

وقد لفت نظر الجميع الدور الذي اضطلعت به المملكة في عملية تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا. وهذا أعطى بلدنا أوراقاً إضافية مهمة. فالأسرى الذين أطلقت روسيا سراحهم لا تقتصر جنسيتهم على الأوكرانيين وحدهم، فهناك أيضاً عشرة أسرى من دول أخرى، بينهم 5 بريطانيين و2 من الأمريكان، هذا بالإضافة إلى سويدي وكرواتي ومغربي.

إن الدور البارز الذي لعبه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في هذا الشأن كان مميزاً جداً، حيث رأينا قبل الإعلان عن صفقة التبادل، زيارة المستشار والمبعوث الخاص للرئيس الأوكراني رستم اومرييف واجتماعه مع ولي العهد، من أجل وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق تبادل الأسرى. وهذا الدور لقي امتنان الدول التي تم إطلاق سراح أسراها وعلى رأسهم أوكرانيا التي أفرج لها عن 215 أسيراً، وكذلك روسيا التي حصلت على 55 أسيراً، من ضمنهم السياسي الأوكراني فكتور مدفيتشوك الذي تجمعه مع الرئيس الروسي بوتين علاقات خاصة. كذلك عبر الوفد الأمريكي، الذي زار المملكة مؤخراً والذي ضم العديد من الشخصيات البارزة، عن شكره لجهود ووساطة سمو ولي العهد التي تكللت بالنجاح بالإفراج عن اثنين من المواطنين الأمريكيين.

وعلى ما يبدو لي، فإن المملكة الذي تحظى بثقة الجانبين الروسي والأوكراني مهيأة لمواصلة دورها والمشاركة في حل الأزمة الأوكرانية. فهذه الأزمة، التي تبدو جغرافياً بعيدةً عنا، هي اقتصادياً قريبة جداً، خاصة إذا ما نظرنا إلى تأثيرها على أسعار الطاقة، التي تعتبر المملكة من كبار منتجيها. فمن الواضح أن الأزمة الأوكرانية تتطور إلى مراحل خطيرة جديدة، خصوصاً بعد العطل الذي أصاب خطوط إمدادات الغاز الروسية عبر بحر البلطيق. فانقطاع إمدادات الغاز إلى ألمانيا عبر التيار الشمالي 1، سوف تؤدي إلى حدوث نقص كبير في الغاز الذي تحتاجه، ليس فقط ألمانيا وإنما جميع القارة الأوروبية. فهذا العطل، إذا كان ناجماً عن عمل تخريبي، فإنه قد يشكل بداية لحرب عالمية ثالثة.

إن المملكة، في مثل هذه الظروف، ليست هي المرشحة فقط لزيادة الطاقة الإنتاجية بحكم القدرة التي تتمتع بها في هذا المجال. وإنما أيضاً لمواصلة الدور الذي بدأته لحل الأزمة الأوكرانية وإنقاذ البشرية من مخاطر حرب عالمية ثالثة.