يخلط كثير من الباحثين، والأدباء، والنقاد، بين الأدب الحديث، والأدب المعاصر، وكذا يفعلون مع النقد أيضاً، والحق أن بين الأدبين، والنقدين من الفوارق ما يمكن لذوي الفهم المحدود أن يعرفوه، فالأدب العربي الحديث عند أكثر (مؤرخي الأدب) يبدأ مع عصر النهضة الحديثة، وإن كان الأدب الحديث عالمياً ليس بعيداً عن ذلك التاريخ؛ فأكثر المؤلفات الأدبية والنقدية إنما تنامت في حدود القرن السابع عشر الميلادي وما بعده، متأثرة بظروف العيش الحديث، وما جدّ فيه من تطور سريع في العلوم والمعرفة، وتقدّم ملحوظ في الصناعات، والتكنولوجيا الحديثة.

وفي ضوء ذلك يمكن القول: إن ما كان حديثاً في الأدب في تلك الحقب لم يعد اليوم معاصراً، وإن كان حديثًا في عمومه، فكل أدبٍ معاصر في زمننا هذا هو أدب حديث، وليس كل أدب حديث وُجِد قبل قرنين من الزمن هو أدب معاصر، فالأدب المعاصر إذن ذو إشكالية كبيرة، ولا سيما إذا نُظِر إليه من زاوية مادية لا تأريخية، فالمعاصَرة اليوم لم تعد مزامنة فحسب، بل هي تجديد في الأداء، والإنتاج، والكم، والكيف، وكل ما هو متحول، إضافة إلى توافر عنصر (المواكبة)، أو (المعاصَرة).

ولعلي هنا أعود إلى تفصيلٍ دقيق يفرّق بين الأدبين: الحديث والمعاصر، وهو تحليل كان يلقيه علينا في مقاعد الدراسة شيخنا وأستاذنا الدكتور محمد بن سعد بن حسين – رحمه الله – الذي كان مهتماً بالتأريخ للأدب الحديث بعامة، وللأدب السعودي بخاصة، وكان كتابه (الأدب الحديث في نجد) من أشهر المراجع في هذا الباب، حيث كان بصيراً بعزل الأدب الحديث عن الأدب المعاصر، وقد لحظتُ ذلك عليه جيداً في أثناء المحاضرات التي يقدمها لنا، وكنتُ يومها أدرس على يديه مادة (تأريخ الأدب) في السنة المنهجية لمرحلة الماجستير بجامعة الإمام، وذلك بين عامي (2005 – 2006م)، فكان يضع لنا حدوداً واضحةً بين الأدب الحديث، والأدب المعاصر، وقد أثبتَ لنا ذلك أيضاً في كتابه الذي كان مقرراً علينا في جزأين، وهو: (الأدب الحديث، تاريخ ودراسات).

وهنا أسوق نصاً أورده أستاذنا في الجزء الأول من كتابه للتفريق بين الأدبين، حيث يقول: «والذي يعنينا هنا الحديث والمعاصر في الأدب، وخلاصة القول في ذلك إن الأدب الحديث هو ذلك الأدب الذي صنعه أربابه من بداية النهضة الحديثة إلى أيامنا هذه، مهما طال الزمن الداخل في مفهوم العصر الحديث. أما الأدب المعاصر فإنه الأدب الذي صنعه أربابه في السنوات الخمسين الأخيرة من عصر النهضة (...) وعلى هذا يكون الأدب الحديث عندنا هو ما صُنِع في القرون الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر للهجرة النبوية الشريفة. أما المعاصر فإنه الذي صُنِع فيما بعد منتصف القرن الرابع عشر للهجرة».

ومن هنا جاء التقسيم زمنياً وفنيّاً؛ فالأدب الحديث أعم وأوسع، أما الأدب المعاصر فهو الأدق وصفاً، الأقرب زمناً، الأكثر تواكباً، الأحدث تفاعلاً؛ ولهذا سمّت (نازك الملائكة) كتابها (قضايا الشعر المعاصر)؛ لأنها كانت حديثة عهد بقضايا الشعر التي تتناولها، ولهذا أيضاً سمى أستاذنا ابن حسين كتابه (الأدب الحديث)؛ لأنه كان ينظّر فيه لقضايا أدبية ونقدية تعود إلى عهد الدولة السعودية الأولى، وعصر النهضة الحديثة، وهي مراحل زمنية ليست بعيدة جداً عن زمنه المعاصر.