أعلنت وزارة المالية أمس الجمعة، البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2023م، وسط توقعات بأن يبلغ إجمالي النفقات نحو 1,114 مليار ريال، وإجمالي الإيرادات نحو 1,123 مليار ريال، فيما يقــدر أن يتم تحقيق فوائض بنحــو 9 مليارات ريال تمثل 0.2 % مــن الناتــج المحلــي الإجمالي، مع استمرار العمل على رفع كفاءة وفاعلية الإنفاق والضبط المالي، ومواصلة تعزيز الوضع المالي للمملكة، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، وبرامجها ومبادراتها ومشروعاتها الكبرى، بجانب تعزيز نمو الاستثمار المحلي عن طريق بناء الشراكات مع القطاع الخاص وتأهيله ليشمل جميع مناطق المملكة. ويعكس البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2023م، التقدم في تنفيذ البرامج والمشروعات الداعمة للنمو والتنوع الاقتصادي، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز برامج أنظمة الرعاية والحماية الاجتماعية، مع الحفاظ على المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الســابقة على جانب المالية العامة، إضافةً إلى تحسين وتطوير التشريعات والسياسات التي أدت لتقدم المملكة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، بما يضمن استمرار الأداء والنمو الاقتصادي لتحقيق المستهدفات المالية والاقتصادية لعام 2023م، حيث تظهر المؤشرات تقدماً مستمراً في أغلب الأنشطة الاقتصادية، ويتوقع أن يستمر هذا النمو على المدى المتوسط.

وأشار معالي وزير المالية الأستاذ محمد بن عبدالله الجدعان إلى تطوّر هيكل المالية العامة في المملكة خلال السنوات الماضية، إذ نجحت الحكومة في تحقيق الهدف الأساسي من الإصلاحات المالية في مرحلتها الأولى تحت مسمى برنامج التوازن المالي، الذي كان يستهدف السيطرة على معدلات العجز المرتفعة للوصول إلى التوازن المالي على المدى المتوسط، فيما انطلقت مرحلتها الثانية تحت مسمى برنامج الاستدامة المالية، الذي يهدف على المديين المتوسط والطويل إلى المحافظة على مؤشرات مالية مستدامة، من خلال مستويات إنفاق متسمة بالاستقرار وموجهة لإنفاق استراتيجي، يدعم التغير الهيكلي في الاقتصاد لتحقيق مستهدفات الرؤية، وفي إطار يضمن المحافظة على مستويات مستدامة من الدين العام والاحتياطيات الحكومية.

وأضاف أنه على الرغم من المخاوف والأزمات التي يشهدها العالم والتحديات المصاحبة لها وتأثيرها على تباطؤ الاقتصاد العالمي متأثرة بتزايد الضغوط التضخمية الناجمة عن تداعيات جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية، إلا أن قوة ومتانة الاقتصاد السعودي مكنّت المملكة من مواجهة هذه الأزمات، حيث كان التراجع في معدلات النمو أثناء الجائحة محدودًا مقارنة بدول العالم خلال عام 2020م، تلا ذلك تحقيق نمو إيجابي بلغت نسبته 3.2 % خلال العام 2021م، ومعدلات نمو مرتفعة خلال النصف الأول من عام 2022م وهي الأعلى منذ ما يزيد على عشرة أعوام، مع توقع الاستمرار في تحقيق معدلات نمو إيجابية في مختلف الأنشطة الاقتصادية وذلك انعكاسًا للعديد من الإصلاحات الهيكلية والاستراتيجيات القطاعية ضمن رؤية المملكة، مؤكداً أن الحكومة تولي أهمية كبيرة لتعزيز منظومة الدعم والحماية الاجتماعية حرصاً منها على حماية المواطنين من التداعيات المحلية والعالمية.

«الفوائض» توجه لتعزيـز الاحتياطيات ودعم الصناديق الوطنية وتعجيـل المشـروعات الاستراتيجية

مراجعة تقديرات النمو

ولفت معاليه إلى أن التوقعات الإيجابية للاقتصاد السعودي للعام 2023م تأتي امتدادًا للتطورات الإيجابية في الأداء الفعلي خلال النصف الأول من العام 2022م، حيث تمت مراجعة تقديرات معدلات النمو الاقتصادي في المملكة لعام 2023م والمدى المتوسط، مبيناً أن التقديرات الأولية تشير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.1 %، مدعوماً بنمو الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية مع استمرار القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي، والمساهمة في زيادة خلق الوظائف في سوق العمل، بالإضافة إلى تحسن الميزان التجاري للمملكة، والاستمرار في تنفيذ برامج تحقيق رؤية 2030، وتسجيل الأنشطة الاقتصادية لمعدلات نمو إيجابية، وذلك بفضل التدابير التي اتخذتها الحكومة لدعم وتعزيز النشاط الاقتصادي، وتخفيف الأعباء المعيشية من خلال سياسات وإجراءات لاحتواء معدلات التضخم العالمية عبر تحديد سقف لأسعار البنزين، بالإضافة إلى ضمان وفرة المنتجات الغذائية في الأسواق المحلية، وزيادة الاعتمادات لبرامج الحماية الاجتماعية، مما خلق نوعاً من اليقين والطمأنينة لدى المواطنين. وأوضح وزير المالية أن الانتعاش الملحوظ والمتوقع في اقتصاد المملكة والاستمرار في تطبيق المبادرات والإصلاحات الهيكلية التي تم تنفيذها خلال السنوات الماضية سيؤديان إلى تحسن النشاط الاقتصادي وضمان استدامته على المدى المتوسط، مشيراً في هذا الصدد، إلى أن تقديرات وكالات التصنيف الائتماني الإيجابية الصادرة مؤخراً عن اقتصاد المملكة تعكس فعالية الإصلاحات الاقتصادية التي اتخذتها في إطار برنامج الاستدامة المالية الذي يركز على تطوير عملية التخطيط المالي متوسط المدى، بهدف استدامة واستقرار وضع المالية العامة، مع المحافظة على معدلات النمو الاقتصادي، من خلال تنويع مصادر الإيرادات ورفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتحفيز نمو القطاع الخاص.

وتوقع -وفقا للبيان التمهيدي للميزانية- أن يبلغ إجمالي الإيرادات لعام 2023م نحو 1,123 مليار ريال، وصولاً إلى نحو 1,205 مليار ريال في عام 2025م، فيما يقدر أن يبلغ إجمالي النفقات لعام 2023م نحو 1,114 مليار ريال وصولاً إلى نحو 1,134 مليار ريال في عام 2025م، لافتا إلى أنه في ضوء هذه التطورات واستكمالاً لمسيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية، بالإضافة إلى تبني سياسات مالية تساهم في تحقيق الاستقرار والاستدامة للميزانية العامة للدولة، فإنه مــن المقدر أن تحقق ميزانية العام 2023م فوائض بنحــو 0.2 % مــن الناتــج المحلــي الإجمالي، مبيناً أن تلك الفوائــض ســيتم توجيـهـها لتعزيــز الاحتياطيات الحكومية ودعم الصناديق الوطنية، مع النظـر فـي إمكانيـة التعجيـل في تنفيذ بعض البرامج والمشـروعات الاستراتيجية ذات البعدين الاقتصادي والاجتماعي، وذلك وفق الاستدامة المالية.

وأشار معالي الجدعان إلى أنه على الرغم من توقعات تحقيق فوائض في ميزانية العام 2023م، إلا أن الحكومة ستستمر في عمليات الاقتراض المحلية والدولية، بهدف سداد أصـل الديـن المستحق خلال العام 2023م وعلى المدى المتوسط واستغلال الفرص المتاحة حسب أوضاع السوق لتنفيذ عمليات تمويلية إضافية بشكل استباقي لإعادة تمويل مستحقات أصل الدين للأعوام المقبلة ولتمويل بعض المشروعات الاستراتيجية بالإضافة إلى استغلال فرص الأسواق لتنفيذ عمليات التمويل الحكومي البديل بهدف تمويل المشروعات الرأسمالية والبنية التحتية التي من شأنها تعزز النمو الاقتصادي. يذكر أن وزارة المالية تُصدر البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة للعام المالي 2023م كأحد عناصر سياسة الحكومة في تطوير منهجية إعداد الميزانية العامة، ووضعها في إطار مالي واقتصادي شامل على المدى المتوسط، وتعزيز الشفافية والإفصاح المالي، والتخطيط المالي لعدة أعوام.

ويهدف البيان إلى إطلاع المواطنين والمهتمين والمحللين على أهم التطورات الاقتصادية المحلية والدولية التي تؤثر على إعداد ميزانية العام المقبل، وأهم المؤشرات المالية والاقتصادية لعام 2023م وعلى المدى المتوسط، كما يستعرض البيان أهم البرامج والمبادرات المخطط تنفيذها خلال العام المالي المقبل والمدى المتوسط في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030.

نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3.1 % مدعوماً بنمو للأنشطة غير النفطية

الاقتصاد العالمي

وجاء في بيان وزارة المالية، أن الاقتصاد العالمي يواجه العديد من التحديات التي تؤثر على مسار نموه وآفاقه المستقبلية، إذ ما زالت تبعات وتداعيات الجائحة عنصرا مؤثرا بشكل كبير على الاقتصاد العالمي. فأزمة سلاسل الامداد مازالت مستمرة رغم بعض مؤشرات التعافي، وبلوغ معدلات التضخم لمستويات مرتفعة حول العالم، وأحد أهم العوامل لذلك كان الإفراط في سياسات التحفيز الاقتصادي، بالإضافة إلى ذلك تساهم التحديات الجيوسياسية برفع حالة عدم اليقين، هذه العوامل دفعت العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية لخفض توقعات نمو الاقتصاد العالمي للعام الجاري والمقبل، كما تأتي مستهدفات مشروع الميزانية العامة للدولة للعام المالي 2023م استكمالاً لمسيرة العمل على تعزيز وتقوية الموقف المالي للمملكة، وبالنظر للتغيرات في آفاق النمو والتحديات الجيوسياسية التي يواجهها الاقتصاد العالمي، يلاحظ أن أداء المالية العامة يبرهن التطور الملموس في قدرة اقتصاد المملكة على مواجهة التحديات الاقتصادية والصدمات. إذ نشاهد انعكاس الإصلاحات الهيكلية والمالية الاستباقية التي تمت تحت مظلة الرؤية مكنت المملكة من تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفع خلال العام الجاري، واستمرار انخفاض مستويات البطالة بين السعوديين، وكبح جماح التضخم عند مستويات استثنائية مقارنةً مع المعدلات الدولية.

وقالت الوزارة: "تستمر حكومة المملكة في تعزيز نمو الاستثمار المحلي عن طريق بناء الشراكات مع القطاع الخاص على نطاق واسع وتأهيله ليشمل جميع المناطق لما تتميز به المملكة من بيئة استثمارية متنوعة إضافةً إلى التحسين والتطوير للتشريعات والسياسات التي أدت لتقدم المملكة العربية السعودية في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال بما يضمن استمرار الأداء والنمو الاقتصادي لتحقيق المستهدفات المالية والاقتصادية لعام 2023م، حيث تظهر المؤشرات تقدم مستمر في أغلب الأنشطة الاقتصادية ويتوقع أن يستمر هذا النمو على المدى المتوسط".

وأضافت: "لقد أظهر الاقتصاد السعودي قوته ومتانته من خلال تحقيق معدلات نمو مرتفعة وذلك بعد اتخاذ العديد من السياسات والإجراءات بهدف حماية الاقتصاد من تداعيات التضخم وتحديات سلاسل الإمداد. وبالنظـر إلـى توقعـات كامـل عـام 2022م فمـن المتوقع أن يسـجل الناتـج المحلـي الإجمالي الحقيقـي نمواً بنسـبة 8.0 % مدعوماً بالنمو في الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة النفطية ومستويات النمو المستدامة في الناتج المحلي الحقيقي للأنشطة غير النفطية والذي من المتوقع أن يسجل نمواً بنسبة 5.9 %، ومما يعزز هذا النمو هو توقعات نمو الاستثمار المدعوم بجهود ومبادرات العديد من الاستراتيجيات ويأتي منها الاستراتيجية الوطنية للاستثمار التي ساهمت في جذب المزيد من التدفقات الاستثمارية إلى المملكة من خلال توقيع عدة صفقات استثمارية جديدة لقطاعات متنوعة، بالإضافة إلى التقدم في تنفيذ المشروعات الكبرى ومبادرات برامج الرؤية".

ويمر الاقتصاد السعودي بمرحلة تحول لتحقيق مستهدفات الرؤية، ولهذا تعمل السياسة المالية على الموازنة بين الحفاظ على الاستدامة المالية وبين الإسراع في وتيرة معدلات النمو الاقتصادي، حيث نجحت الحكومة في تنفيذ العديد من المبادرات الداعمة والإصلاحات الهيكلية لتمكين التحول الاقتصادي، وتعتزم استمرارها في اكمال تلك المبادرات والإصلاحات لتعزيز النمو الاقتصادي والاستدامة المالية، وذلك من خلال رفع كفاءة وفاعلية الإنفاق والضبط المالي. كما تلتزم الحكومة الاستمرار بتنفيذ البرامج والمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي لتحقيق رؤية المملكة، والســـعي المســـتمر لتمكين القطاع الخاص في دعم التنويع الاقتصادي من خلال تحسين بيئة الأعمال وتذليل المعوقات لجعلها بيئة جاذبة، وذلك لزيادة المساهمة في رفع معدلات النمو الاقتصادي للعام القادم وعلى المدى المتوسط.

وفي ضوء التطورات السابق ذكرها واستكمالاً لمسيرة الإصلاحات الاقتصادية والمالية في ظل الرؤية، مــن المقــدر أن تحقق ميزانية العام 2023م فائضا بنحــو 0.2 % مــن الناتــج المحلــي الإجمالي، مع توقع استمرار تحقيق فوائض في الميزانية على المدى المتوسط تتماشى مع مستهدفات التخطيط المالي ومؤشرات الاستدامة المالية. وتجدر الإشارة إلــى أنــه ســيتم توجيــه مبالــغ الفوائــض المتحققــة فــي الميزانيــة لتعزيــز الاحتياطيات الحكوميــة ودعــم الصناديق الوطنية والنظـر فـي إمكانيـة التعجيـل في تنفيذ بعض البرامج والمشـروعات الاستراتيجية ذات البعــد الاقتصادي والاجتماعي، وســداد جــزء مــن الديــن العــام وذلك حســب ظــروف الســوق.

من المتوقع الاستمرار في عمليات الاقتراض المحلية والخارجية بهدف سـداد أصـل الديـن المستحق خلال العام 2023م وعلى المدى المتوسط واستغلال الفرص المتاحة حسب أوضاع السوق لتنفيذ عمليات تمويلية إضافية بشكل استباقي لسداد مستحقات أصل الدين للأعوام المقبلة ولتمويل بعض المشروعات الاستراتيجية، بالإضافة إلى استغلال فرص الأسواق لتنفيذ عمليات التمويل الحكومي البديل بهدف تمويل الإنفاق التحولي للمشروعات الرأسمالية والبنية التحتية.