الرفق ليس خُلُقًا لا تناله النفوس، بل هو في متناول كل الطباع، وبالترفق يصير المرء رفيقا، فقد يكون أحدنا من طبعه الخفة والشدة والعجلة، وهو يعلم من نفسه أن هذه الطباع طباع غير مرغوبة ولا تأتي بخير..

إذا ذُكر الرفق فلا يتبادر إلى ذهن المسلم إلا رفق المرسل رحمة للعالمين صلى الله عليه وآله وسلـم، فقد ضرب المثل الأروع في القدوة لذوي الرفق، فقد كان رفقه صلى الله عليه وآله وسلـم جامعًا شاملاً لكل الأمور والأحوال ففي الصحيح "ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيءٍ إلا شانه" وفي الصحيح أيضًا "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطى على العنف" وكانت هذه حياته وسيرته، وقد تعدّى رفقه صلى الله عليـه وآله وسلم من الرفق بالإنسان إلى صورة لم تكن مألوفة عند العرب إلا بقلة وندرة وهي الرفق بالحيوان والشجر وحتى بالهوام والحشرات الصغيرة التي قد لا يبالي كثير من الناس بالتعامل معها وفق قواهم الجسمانية، وفي الحديث الذي يعلمنا فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلـم نوعًا من أنواع الرفق قال: "نزل نبيّ من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فاُخرج من تحتها، ثمّ أمر ببيتها فاُحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلاّ نملة واحدة!!" وهذه القصة يضعها النبي عليه الصلاة والسلام ليؤسس في النفوس أهمية الرفق في التعامل مع الأحياء بكل أجناسهم وأنواعهم، وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رهط من اليهود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: السام عليك. فقلت: بل عليكم السام واللعنة. فقال: يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله. قلت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم.

فالرفق ليس خُلُقًا لا تناله النفوس، بل هو في متناول كل الطباع، وبالترفق يصير المرء رفيقا، فقد يكون أحدنا من طبعه الخفة والشدة والعجلة، وهو يعلم من نفسه أن هذه الطباع طباع غير مرغوبة ولا تأتي بخير، ويكون في قرارة نفسه حبّ لأن يكون رفيقًا هادئا هيّنا بالمعنى المأخوذ من قول الله «وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما» فقد يقابلك من بني البشر من يكون أكثر خفة وطيشا واعتداءً من تلك الحيوانات التي أمرنا نبينا صلوات الله وسلامه عليه أن نترفق بها ولو في مقابل أذيتها، فذلك الرجل الذي أراد الفتك بالنبي صلى الله عليه وآله وسلـم حين أخذ سيفه وهو نائم، فاستيقظ وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله فسقط السيف من يده، فأخذه النبي فقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه. فأتى قومه، وقال: جئتكم من عند خير الناس. وهنا امتزاج بين العفو والرفق، فعفوه من رفقه ورفقه من عفوه صلى الله عليـه وآله وسلم، فلا تدري أيهما يسبق إلى خصمه، وروى أحمد عن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليـه وآله وسلـم دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله فمسح ذفره فسكت فقال: "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟" فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: "أفلا تتقى الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه" أي تتعبه، ومن مثل هذه الآثار الكثير والكثير التي ترسخ ثقافة الرفق وتعلمها الأجيال، فبالرفق صلاح الراعي والرعية، وهو شعار هذا الدين، وأس معاملاته. هذا، والله من وراء القصد.