لا يشك أحد أن الإنترنت كان ومازال مشروعاً ناجحاً خصوصاً إذا تذكرنا أن اختراعه كان في وقت مبكر، كان الإنترنت مشروعاً في معهد (داربا) التابع لوزارة الدفاع الأميركية الذي عرف بمشروعاته الاستشرافية في جميع المجالات العلمية خصوصاً التقنية، نتيجة لتصميم شبكة الإنترنت الذي يعتبر تصميماً مبسطاً، تشكلت التقنيات فنياً تبعاً له وعلى رأسها البرمجيات.

بني تصميم شبكة الإنترنت على مبدأين مهمين معمارياً: مبدأ الطبقات، ومبدأ الشبكة. في مبدأ الطبقات صمم الإنترنت ليستوعب خدمات إضافية تبنى عليه كما تتشكل الأدوار السكنية. في مبدأ الشبكة، سمح لخدمات الإنترنت أن تنجز من خلال رسائل لها هيكلة معرّفة تسافر بين أطراف متعددة كما في نموذج شبكة الهاتف، تصميم الإنترنت على مبدأ الطبقات والشبكة، فتح مجالاً لإضافات من أهمها ما يسمى بالشبكة العنكبوتية.

بدأت الشبكة العنكبوتية في معهد (ستيرن) في سويسرا على يد (تيم بيرنرز لي)، كان معهد (ستيرن) من أكبر المراكز التي توفر خدمات الإنترنت في أوروبا في نهاية الثمانينات، كان الإنترنت آنذاك دون ملامح، كما لو كان بلا وجه يعرف به حتى تقدم (تيم بيرنز) بفكرة النص التشعبي، كانت الفكرة في إيجاد طريقة لعرض المعلومات التي تمر عبر الشبكة في صورة تعكس التشعبات التي تحتويها، بحيث تستطيع التنقل افتراضياً على الشبكة، كانت إضافة النص التشعبي مرحلة مهمة في إطلاق الإنترنت إلى العالم في صورة يستفيد منها الناس، حيث طور بيرنز أول متصفح للإنترنت وأطلق الصفحة الأولى على شبكة معهد ستيرن شارحاً طريقة تطوير صفحات الويب.

منذ إطلاق الإنترنت للعالم وتقنياته تتطور عبر مراحل كلها تتقدم لإيجاد وسائل لجعل الإنترنت كتلة واحدة مع بقائه مرناً وقابلاً للتوسع والنمو، التصميم الأول للإنترنت كان مناسباً لمقتضيات الفترة ومتطلباتها، وكان معداً للنمو لكن لم يكن لأحد أن يتخيل الثورة التي ستحدثها بعد ذلك، تطبيقات الإنترنت في العشر سنوات الأخيرة استحدثت تقنيات تجسر الهوة من حيث السرعة والاعتمادية التي بين المستخدم والخادم لما يفصل بينهما من مسافات لا يعلم مداها، واليوم مع التقنيات الناشئة فإن التحدي صار أعمق من قبل.

مع دخول شبكات إنترنت الأشياء إلى عالم التطبيق في مجالات متعددة، نشأت داخل الإنترنت وخارجه شبكة أخرى متصلة بها وتتقاطع معها، فإذا كان الإنترنت وسيلة لتبادل المعلومات في الثلاثين سنة الماضية، فإن التقنيات الناشئة التي منها إنترنت الأشياء ستعمل مستقبلاً لبناء شبكة للتحكم في عمليات الصناعة والخدمات الإلكترونية، فإذا كانت البيانات سابقاً محفوظة في نهايات طرفية مفرقة، والبيانات حالياً تنتقل لتحفظ في تكتلات سحابية أكثر مركزية، فإن البيانات مستقبلاً ستكون موجودة مع سلاسل الكتل في كل مكان. مع الوقت، يتحول الإنترنت ليكون خدمة مشابهة للكهرباء، تعرف أنها موجودة بآثارها، إنما هي تعمل في الخفاء في كل مكان.