الإذاعة والسينما أكبر وسيلتين من الزمن الماضي ساهمتا في الرسائل الاستخباراتية للدول الكبرى وخصوصا بريطانيا العظمى كما كان يطلق عليها إلى زمن قريب، كانت أفلام العميل 007 أو سلسلة جيمس بوند الشهيرة، رسائل مبطنة لقوة الاستخبارات البريطانية ونفوذها والتقنية العالية التي تعتمد عليها، وكانت أيضا الإذاعة أكبر صوت يعبر للعالم من المصدر الأشهر لأكبر إمبراطورية إعلامية استخباراتية في العالم إلى حد قريب.

لا أنسى وأثناء احتلال الكويت مطلع التسعينات الميلادية كيف كانت إذاعة بي بي سي عربية أو (هنا لندن) الجملة الأشهر لدى جيلنا والأجيال التي سبقتنا، تؤثر فينا، تجعلنا نسمع بأعيننا ونشاهد السيناريو للأحداث الذي ترسمه الإذاعة وتحاول أن توصله لنا برسائل إعلامية محترفة وبطرق متنوعة ومشوقة وبإشراف استخباراتي منظم، كانت الإذاعة البريطانية بقسمها العربي أو باللغات المختلفة تحظى بشعبية كبيرة لدى رجل الشارع والمثقفين على حد سواء.

كان الراديو (المذياع) مقلقا لكثير من الحكومات، كان نفي ما تنقله الإذاعة أحيانا الأبرز بنشرات الأخبار العربية، لوعي الكثير من الحكومات بتأثير ما تبثه على شعوبها، لم تكن إذاعة محايدة، ولكنها ذكية إعلاميا، استمرت لسنوات طويلة بأسلوب يتناسب مع الشعوب التي تتابعها وتبحث عن الحرية والتنفس عبر رحلة (السمع) والأحلام الوردية، كانت أصوات المذيعين بالقسم العربي مختارة بعناية فائقة ولغتهم رائعة وثقافتهم ملفتة، كانت هناك احترافية إعلامية في الاختيار والظهور الصوتي، لم يكن الأمر كما هو حال الإعلام العربي بالواسطة أو المحاباة أحيانا لشخصيات إعلامية بعيدة عن الإعلام.

الراديو أو المذياع لم ينتهِ أو قرب موعد نهايته كما تصور البعض بعد قرار وقف العديد من الإذاعات التابعة للإمبراطورية الإعلامية البريطانية، كراسي اللعبة تبدلت فقط، أصبح هناك وسائل حديثة وجديدة لتمرير الرسائل والسيطرة على العالم إعلاميا، المصاريف المالية أو التكاليف ليست السبب الرئيس في نهاية إذاعة عمرها أكثر من 80 عاما وكانت -وأكرر كانت- مؤثرة على عالمنا العربي، وكانت بحجم قوها الإذاعية تستطيع قلب كيانات سياسية و"تهز عروش دول" وتهددها، ولا يمكن أن يمر أشهر هجوم علني وعلى مستوى الرؤساء ما حصل من ردود أفعال بين الرئيس المصري جمال عبدالناصر الراحل، وما بين إذاعة لندن العربية، حينما ذكرها بعنف وسخرية في أحد خطاباته السياسية الشهيرة.

لن تموت الإذاعة ولن يكون البودكاست بديلا لها، هو نسخة مطورة من الإذاعة، ولكن الراديو له سحره الخاص وتأثيره، نعم اختفت "هنا لندن" ولكن الذي اختفى أكثر الحقبة الإعلامية والتي أثرت علينا، ووصلنا لمرحلة نصدق ما كانت تبث وخصوصا في الأخبار "الملغمة" والرسائل الاستخباراتية التي ترسلها لمئات الملايين، وداعا لأهم مدرسة استخباراتية عربية إعلاميا في زمنها.