أثبتت مؤسسة الحكم في السعودية أنها مؤسسة تمتلك القدرة على تعزيز الثقة بينها وبين المجتمع وترسيخ الولاءات بمنهجية سياسية مختلفة عن مسارات فرض القوة أو الخيارات غير العادلة..

عندما نتحدث عن مؤسسة الحكم في المملكة العربية السعودية فنحن نتحدث عن نموذج تميز ليس في المنطقة بل في العالم، وواحدة من الملكيات ذات التاريخ الطويل على المستوى العالمي، وعبر التاريخ كانت مؤسسة الحكم في السعودية راسخة، ومع كل عمليات زعزعة الاستقرار التي ضربت المنطقة ليس حديثا بل منذ ما يقارب من ثلاثة قرون وهو عمر السعودية، إلا أن مؤسسة الحكم في السعودية بقيت عامل استقرار مجتمعي شديد الترابط يعمل وفق ديناميكيات أثبتت بشكل متصاعد قدرتها على الاستقرار، وكان العامل الأبرز في مؤشرات هذا الاستقرار يرتكز على نوعية الشخصيات السياسية القيادية التي قدمها الحكم الملكي السعودي عبر التاريخ.

الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مؤسس الدولة السعودية الثالثة شخصية عالمية تقف في ذات الصف حيث عظماء العالم ليس في مرحلة بعينها بل عبر التاريخ الإنساني، ومنذ بديات القرن العشرين أي ما يقارب من قرن من الزمان شهد العالم المتحرك نموذج استقرار شديد الوضوح في بنيته في منطقة اعتبرت إلى اليوم الأكثر اهتزازاً، بينما بقيت مؤسسة الحكم في السعودية تسير في طريق ثابت، لقد أثبت النظام الملكي في السعودية قدرته على صياغة نموذج فريد لإدارة المجتمع السعودي المتكون بطبيعته التاريخية من هويات متعددة تحتاج إلى نوع فريد من السياسة، فخلال العقود التسعة الماضية ترسخت فكرة الاستقرار في السعودية بشكل متصاعد وذلك نتيجة طبيعية لقدرة مؤسسة الحكم على بناء نموذج يمكّن المجتمع من استقراء التطورات المستقبلية التي يقبل عليها في ظل حكم ملكي مترابط مع الأبنية المجتمعية القائمة.

عبر التاريخ قدمت لنا مؤسسة الحكم في السعودية نموذجا فريدا في صعود القيادات السياسية، وقد لفت الأنظار القرار الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين مؤخراً لكي يتولى سمو ولي العهد رئاسة مجلس الوزراء وهو نموذج تاريخي مستمد من تجربة فعلية ولا يعنى بالتأكيد ولا يقبل أي تفسيرات مغايرة للتجربة التاريخية التي مر بها هذا المنصب، فمؤسسة الحكم في المملكة تأتي من شرعية راسخة أهّلتها أن تكون نموذجا ملكيا مطلقا ولكنه فريد في منطقة الشرق الأوسط، وقد منحت هذه الشرعية التاريخية لمؤسسة الحكم قدرة مجتمعية فائقة لاستشعار التوافق السياسي والاجتماعي بين مؤسسة الحكم وبين أفراد المجتمع.

أحد الأسباب الرئيسة التي دعتني للحديث عن مؤسسة الحكم أنه أصبح من اللازم أن يسمع منا الآخرون نحن المجتمع السعودي الكيفية التي نستشعر بها نموذج مؤسسة الحكم السعودي والذي أعلن المجتمع اندماجه الكامل معه منذ منتصف القرن الثامن عشر، النخب السعودية المتخصصة مطلوب منها أن تمنح الآخرين التفسيرات الصحيحة حول آليات تفاعل المجتمع السعودي مع هذا النموذج الفريد من الأنظمة السياسية ألا وهو النظام الملكي السعودي المطلق وهو نظام قادته عائلة آل سعود بكل اقتدار عبر التاريخ، فعبر هذا التاريخ ورث الشعب السعودي الولاءات المتطابقة تاريخيا مع ذات النموذج القادر على امتلاك المهارات والطموحات المستقبلية والاستقرار السياسي.

مع كل هذا التاريخ الطويل استطاعت مؤسسة الحكم السعودية أن تقدم للعالم مجتمعا متوافقا مع التحديث والتطور فكل مرحلة مرت بها السعودية وخاصة خلال القرن الماضي عكست قدرة هائلة لمؤسسة الحكم في تقديم نموذج سياسي مرن أصبح يسابق الزمن في تحقيق الحداثة، فالمجتمع السعودي اليوم أصبح نموذجا يحتذى ويتم تقديمه على أنه نموذج متقدم وفي ذات الوقت يفاجئنا التاريخ أن مؤسسة الحكم التي تدير هذا المجتمع الحديث هي نفسها التي أسست هذا المجتمع قبل ثلاثة قرون ولنا أن ندرك الفارق الزمني الكبير، وهذا يعنى أننا أمام مؤسسة حكم متحركة مرنة تتأقلم مع التغيرات.

إن عمليات التحديث التي تمر بها السعودية تعكس في الحقيقة قدرة واتساعا هائلاً لدى الإنسان السعودي في معرفة مملكته، وفي ذات التوقيت أثبتت مؤسسة الحكم السعودية قدرتها التاريخية على تقديم القيادات السياسية، لقد أثبتت مؤسسة الحكم في السعودية أنها مؤسسة تمتلك القدرة على تعزيز الثقة بينها وبين المجتمع وترسيخ الولاءات بمنهجية سياسية مختلفة عن مسارات فرض القوة أو الخيارات غير العادلة.

مؤسسة الحكم السعودية مؤسسة لم تنشأ بين عشية وضحاها، لذلك فإن التفسيرات المقبولة حول صورة مؤسسة الحكم لا بد أن تستند إلى قراءة واضحة وعميقة لتاريخ هذه المؤسسة، حيث اكتسبت تنظيمات هذه المؤسسة وقيمها الاستقرار عبر التاريخ، ومن هذه المنطلقات الواردة في هذا المقال فإن شخصية سمو ولي العهد كقائد تشكل امتدادا طبيعياً لمنتجات هذه المؤسسة للقادة والسياسيين البارزين، وهذا ما يفسر بوضوح كفاءة مؤسسة الحكم في السعودية وقدرتها على تحقيق تطلعات مجتمعها وتحقيق الاستقرار وفق معادلة التنمية والتطور والتحديث الشامل للجميع.