أعادت ألمانيا العضو البارز في الاتحاد الأوروبي، بوصلة علاقاتها مع المملكة وانتقل مسارها نحو الشراكة الاستراتيجية، على ضوء مخرجات زيارة المستشار الألماني أولاف شولتس للمملكة ولقائه الإيجابي والمهم، مع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في جدة، والذي اتفق فيه الطرفان على تجديد عهد الشراكة، والسعي الحثيث نحو تعزيز الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، والحيلولة دون اتساع لأزمات في العالم، فضلاً عن التعامل مع تداعيات ارتفاع أسعار النفط، وتأمين إمدادات الطاقة لألمانيا، على استمرار الحرب الأوكرانية الروسية لأوكرانيا والتي أدت لزعزعة غير مسبوقة للعقيدة السياسية لألمانيا التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، بسبب الارتفاع الجنوني لأسعار الطاقة في أوروبا وألمانيا تحديداً وسد الثغرة التي خلفها نقص إمدادات الغاز الروسي.

وتم خلال الزيارة بحث كافة جوانب التعاون الاقتصادي بين المملكة وألمانيا وعقد بشكل منتظم من خلال اجتماعات اللجنة الاقتصادية السعودية - الألمانية المشتركة التي تأسست في العام 1989، ويرأسها من الجانب السعودي معالي وزير المالية ومن الجانب الألماني وزير الاقتصاد، وتعقد اللجنة اجتماعات دورية في عاصمتي البلدين، وتتمثل مهامها الرئيسية في تشجيع الشركات في القطاعين العام والخاص على التعاون المشترك في مجالات التجارة والاستثمار إلى جانب عقد منتدى الأعمال السعودي - الألماني، والذي يهدف إلى تقوية وزيادة التبادل التجاري؛ إذ يعد اقتصاد المملكة الأكبر على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكذلك الحال لاقتصاد ألمانيا حيث يعد اقتصادها الأكبر في الاتحاد الأوروبي، كما أن البلدين عضوان مؤثران في مجموعة العشرين.

ويرتبط البلدان بعلاقات تاريخية وثيقة حيث نشأت العلاقات بين المملكة وجمهورية ألمانيا الاتحادية منذ العام 1929م، عندما وقّع الملك عبدالعزيز - رحمه الله - اتفاقية الصداقة بين البلدين، وفي العام 1938 عين د. جروبا السفير الألماني في بغداد أول ممثل لألمانيا غير مقيم في المملكة، وبعد أن استعادت جمهورية ألمانيا الاتحادية سيادتها بعد الحرب العالمية الثانية قررت المملكة إعادة العلاقات معها، وكان ذلك في العام 1954م.

وتعد جمهورية ألمانيا الاتحادية واحدة من أبرز دول العالم والدول الأوروبية التي تربطها بالمملكة علاقات متميزة على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية كما أن العلاقات بين البلدين تستند إلى تاريخ بينهما منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ودشنت العلاقات بين المملكة وجمهورية ألمانيا الاتحادية جذورها التاريخية في عهد مؤسس المملكة الملك عبدالعزيز، لاسيما في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، فمنذ العام 1926م حرصت ألمانيا على استطلاع منطقة الشرق العربي بوجه خاص من أجل تهيئتها لدور ألماني متميز، لاسيما أن هذه الفترة شهدت مرحلة جديدة من التطور السياسي في المنطقة بعد أن تمكن الملك عبدالعزيز من توحيد مناطق الجزيرة العربية، وحرص البلدين على تطوير العلاقات الثنائية بين المملكة وألمانيا في المجالات كافة، وتعزيز فرص التعاون بين البلدين بما يخدم مصالحهما المشتركة، ويدعم جهود المملكة لتحقيق أهداف رؤية 2030 وبرامجها التنفيذية.

كما سجلت صادرات المملكة إلى ألمانيا في العام 2021 ارتفاعاً بنسبة 19.9 % على أساس سنوي، إذ بلغت نحو 108 مليون دولار من الصادرات النفطية، و430 مليون دولار من الصادرات غير النفطية، كما سجلت واردات المملكة من ألمانيا لعام 2021 ارتفاعاً بنسبة 4.6 % مقارنة بالعام السابق، وبلغت نحو 7.491 مليون دولار، ويعود ذلك إلى عودة الأنشطة الاقتصادية. تصدر المملكة نحو 255 مليون دولار من البتروكيماويات إلى ألمانيا، وتعد المواد البتروكيميائية والأسمدة الصناعية من أهم الصادرات السعودية إلى ألمانيا، وتشكل حوالي 25 % من قيمة الصادرات السعودية إلى ألمانيا، فيما تقدر قيمة واردات ألمانيا الإجمالية من البتروكيماويات نحو 54 مليار دولار، وتعمل المملكة على تطوير سعات البتروكيماويات محلياً وعالمياً لكامل سلسلة القيمة متضمنة البتروكيماويات الأساسية والوسيطة والتحويلية والمتخصصة.