بعد أسابيع من حملة القمع المميتة في إيران، التي أوقعت حتى الآن أكثر من 92 قتيلا وآلاف المعتقلين، خرج المرشد الإيراني علي خامنئي عن صمته، وأبدى إعجابه بأداء قوات الشرطة والباسيج، واعتبر الاحتجاجات التي تشهدها إيران "مخططا لها مسبقا"، وأن مأجورين إيرانيين وخونة في الخارج ساعدوا على تحريكها.

وتشهد مدن إيرانية منذ ثلاثة أسابيع، احتجاجات واسعة أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني في 16 سبتمبر، بعد ثلاثة أيام من توقيفها في طهران من قبل شرطة الأخلاق، على خلفية عدم التزامها بقواعد اللباس الذي تفرضه الحكومة.

بينما تنفي السلطات أيّ ضلوع للشرطة في وفاة الشابة، وتصف المتظاهرين بأنهم "مثيرون للشغب" و"إرهابيون" وقتلت منهم العشرات، وأعلنت توقيف مئات منهم.

وردا على هذه الأحداث، قال الرئيس الأميركي جو بايدن: "إن الولايات المتّحدة قلقة بشدّة، إزاء التقارير الواردة عن استمرار العنف المتزايد ضدّ المتظاهرين في إيران، بما في ذلك الطلاب والنساء"، وأعلن أن بلاده "ستفرض هذا الأسبوع عقوبات إضافية على مرتكبي أعمال العنف، ضدّ المتظاهرين السلميين.

وأكّد بايدن أنّ "الولايات المتّحدة تقف إلى جانب الإيرانيات، وكلّ المواطنين الإيرانيين الذين شكّلت شجاعتهم مصدر إلهام للعالم أجمع".

وكانت الناطقة باسم البيت الأبيض كارين جان بيار، قد اعتبرت أن الحملة الأمنية للسلطات الإيرانية "مقلقة ومروّعة"، مشيرة إلى تقارير تفيد برد السلطات الأمنية على تظاهرات الطلاب الجامعيين السلمية بالعنف والقمع، وعمليات توقيف واسعة النطاق.

لكن خامنئي، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، شدد على أن الشرطة "ملزمة بمواجهة المحتجين وضمان الأمن".

وفي حين دعا السلطة القضائية الى التعامل "مع مثيري الشغب بشكل يتسق مع مشاركتهم في تدمير الممتلكات الحكومية وتقويض الأمن.

تضامن

أثارت وفاة أميني موجة تضامن عبر العالم، فخرجت تظاهرات في أكثر من 150 مدينة خلال نهاية الأسبوع، وقامت نساء كثيرات خلالها بقص شعرهن تضامنا مع الإيرانيات.

وبعد أن امتدت التظاهرات الاحتجاجية في إيران الى الجامعات خلال الأيام الأخيرة، أوردت وسائل إعلام محلية أن شرطة مكافحة الشغب تواجهت مع مئات الطلبة في جامعة شريف للتكنولوجيا بطهران، التي تعد أهم جامعة علمية في إيران، واستخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع.

وعُلّقت الدروس الحضورية اعتبارا من الاثنين في الجامعة، وأعلنت أن كل المحاضرات ستتم افتراضيا، نظرا إلى خطورة الأحداث في محيطها وضرورة حماية الطلاب.

وقالت المصادر، إن مئات الطلاب تجمعوا في الجامعة، ورددوا شعارات مناهضة للنظام القائم في إيران، فضلا عن شعار "امرأة، حياة، حرية" و"الطلاب يفضلون الموت على الذل"، احتجاجا على توقيف طلاب خلال التظاهرات.

في حين حمل عناصر الشرطة بنادق وأسلحة لمكافحة الشغب، فضلا عن إطلاق الغاز المسيل للدموع. وانتشرت عناصر من قوات الأمن بلباس مدني، وعناصر من الشرطة أمام مداخل الجامعة.

وفي محاولة لاحتواء الوضع، زار وزير العلوم الجامعة، للحديث إلى الطلاب والقيادات الشبابية، بحسب المصدر نفسه.

وسبق أن اتهمت إيران قوى خارجية بدعم الاحتجاجات والتظاهرات. وتمّ الأسبوع الماضي توقيف تسعة مواطنين أجانب بينهم أشخاص من فرنسا وألمانيا وايطاليا وهولندا وبولندا.

في حين أكدت سائحة إيطالية، أنها موقوفة في إيران وطلبت المساعدة من عائلتها وبلادها، بحسب صحيفة "إل ميساجيرو"، حيث قالت أليسيا بيبيرنو، خلال اتصال هاتفي مقتضب مع أهلها "أوقفوني ولا أعلم لماذا؟ وأنا الآن في سجن طهران، ساعدوني أرجوكم..." مضيفة " هنا أشخاص يقولون إنهم هنا منذ أشهر طويلة وبدون سبب، أخشى ألا أخرج أبداً، أرجوكم ساعدوني".

وفي سياق ذلك، كتبت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربروك، في تغريدة "من الصعب تحمل ما يحصل في جامعة شريف في إيران"، مضيفة "شجاعة الإيرانيين لا تصدق، وقوة النظام الغاشمة هي تعبير عن مخاوف السلطة من التعليم والحرية".

وأفاد وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي، بأنـ "العنف الذي تمارسه قوات الأمن ضد المحتجين في إيران صادم حقا"، بينما استدعت لندن أرفع دبلوماسي إيراني في لندن، للاحتجاج على قمع التظاهرات.

كما نشرت منظمة حقوق الإنسان في إيران ومقرها أوسلو، شريط فيديو يظهر عناصر من الشرطة الإيرانية على دراجات نارية، يلاحقون الطلبة وهم يركضون في موقف سيارات تحت الأرض، وشريط آخر وهم ينقلون موقوفين، غُطّيت رؤوسهم بأكياس قماش سوداء.

لا تخافوا

في مقطع فيديو، سُمع صراخ وإطلاق نار كثيف، فيما كانت أعداد كبيرة من الأشخاص يركضون في أحد الشوارع ليلا.

وفي شريط مسجل آخر، قالت المنظمة إنه التقط في محطة مترو في طهران، تم سماع حشود كبيرة وهم يرددون "لا تخافوا، لا تخافوا، نحن معا".

ومن جانبه، قال مركز حقوق الإنسان في إيران، الذي يتخذ من نيويورك مقرا له: إنه قلق جدا من أشرطة الفيديو الملتقطة في الجامعات الإيرانية، وآخرها جامعة شريف وجامعة طهران، والتي تظهر قمعا عنيفا للتظاهرات، وموقوفين ينقلون ورؤوسهم مغطاة بالكامل.

من جهتها، أعلنت كندا فرض عقوبات جديدة على إيران، بسبب انتهاكاتها الفاضحة لحقوق الإنسان، والأعمال المشينة التي ترتكبها ما يعرف بشرطة الأخلاق.

وقالت وزيرة الخارجية ميلاني جولي: كندا، تحيي شجاعة الإيرانيين وأعمالهم، وستقف بجانبهم في كفاحهم من أجل حقوقهم وكرامتهم.بدورها أعلنت منظمة العفو الدولية في وقت سابق، مقتل 92 شخصا، في حين لقي قائد شرطة مكافحة الشغب في ماريوان في محافظة كردستان حتفه، متأثرا بإصابته خلال المواجهات مع المحتجين، وبذلك يرتفع عدد القتلى من قوات الأمن إلى أكثر من 12 قتيلا منذ انطلاق الاحتجاجات في 16 سبتمبر، بينهم قائد استخبارات الحرس الثوري علي موسوي.إلى ذلك دعا مفتي أهل السنّة مولوي عبدالحميد، المحتجين إلى النزول إلى الشارع، بعد قيام ضابط في الشرطة باغتصاب فتاة، واتهم القوات الأمنية الإيرانية باستهداف المحتجين، عبر نشر قناصة في الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة زاهدان يوم الجمعة.يذكر أن المرشد الإيراني، لم يعلق على سقوط القتلى من المدنيين وقطع الإنترنت، بينما توعد مسؤولون حكوميون بمحاسبة رياضيين ومشاهير شجبوا قمع التظاهرات، وأعربوا عن تأييدهم للحراك الشعبي.