هناك ثمة إجماع عالمي أن العلاقة بين الرئيس بوتين والغرب، في هذه اللحظات الجيو- ستراتيجية العالمية، تعد الاسوأ والأشرس، سياسيا وعسكريا وطاقة والأكثر عدائية، فالرئيس الروسي لديه الكثير والقليل ليخسره، بعد توقيع اتفاقيات لضم 4 مناطق أوكرانية هي لوغانسك ودونيتسكو زابوروجيا وخيرسون وهي تمثل 16 ٪ من مجمل الأراضي الأوكرانية، الكثير من ناحية، أنه إذا خسر الحرب، (وهذا احتمال افتراضي) فسيواجه خطر إطاحته، وتحوله إلى كبش فداء، وسوف تتحطم أحلامه في إضافة اسمه إلى الأبطال العظماء، القوميين الروس.

مواجهة الغرب

ولديه القليل ليخسره من ناحية أخرى، لأنه لا يزال يعتقد أنه يمكنه الصمود أمام الغرب، وأن الغرب سيفقد الإرادة لخوض هذه الحرب، غير المباشرة قبل أن تفعل روسيا، وهو يعلم جيدا كرجل استراتيجي استخباراتي عمل في (كي جي بي)، أنه سيصمد حتى ولو استمرت الحرب لعقود.

الشفافية والصراحة

ومنذ تولى بوتين الرئاسة عام 1999، كان واضحاً وشفافا فيما يريد أن يحققه، وهو البقاء في منصبه طالما أراد ذلك، والاعتراف بروسيا قوة عظمى، ويبدو أننا نشهد المرحلة النهائية والأكثر خطورة في فلسفة وفكر الرئيس بوتين الذي يجسد طموح روسيا عظمى" باستعادة نفوذها ومكانتها.

خطاب حماسي في خطاب حماسي ومثير متلفز مؤخرا، أعلن الرئيس بوتين توقيع اتفاقيات لضم 4 مناطق أوكرانية، هي لوغانسك ودونيتسك وزابوروجيا وخيرسون، باحتفالية عقدت بقصر الكرملين، مؤكداً أن الغرب لا يحتاج إلى روسيا، أما نحن فنحتاجها لافتاً إلى أن الدول الغربية أنهت بازدواجية معاييرها كافة الاتفاقيات والمواثيق.

رؤية القيصر للعالم

وأوضح بوتين بشفافية عالية، أن الغرب يقسم العالم إلى عالم متحضر وبقية العالم، عالم أول وعوالم أخرى، مشددا على أن الحضارة الروسية تستند للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية وتستند إلى الفكرة والكلمة الروسية.

الغرب والصراع الوجودي

ولو تقبل الغرب حقيقة أن بوتين يرى نفسه في صراع وجودي معه، فستستمر الحرب الأوكرانية الروسية حتى عندما يحل السلام على حقول دوار الشمس في أوكرانيا، والسؤال هل يكمن الحل في جهود متضافرة لتغيير النظام الروسي؟ فبحسب الخبراء الغربيين، فإن هذا خيار من الأفضل للغرب أن يتجنبه، فهو ليس بارعاً وناجحا كثيراً في ذلك (يُقال إن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو نجا من أكثر من 600 محاولة لاغتياله وتوفي لأسباب طبيعية عن عمر يناهز 90 عاماً) بل وأسوأ حالاً في السيطرة على النتائج، كما هو واضح في أفغانستان والعراق.

الضربة الموجعة ولو أخذ الغرب بهذا الخيار، فلا بد أن يدرك أن بوتين سيرد بالمثل، وسيوجع كونه يبدو أنه يؤمن بالمثل العربي إذا ضربت فأوجع"، وحتى لو نجح، فهو يجازف برد فعل جنوني من بوتين.

الضم سلاح ذو حدين إن عملية ضم روسيا للأقاليم الأربعة، لسيادتها وفق القانون الروسي، يعني أن هذه الأقاليم ستكون بمثابة أراض روسية، وقد لا تكون هذه المعلومة جديدة، ولكن الجديد أن بوتين، سيدافع عنها، كالدفاع عن العاصمة موسكو، وهذا يعني من جانب آخر، أنه بقدر ما أغضب بوتين الغرب بقرار الضم، بنفس القدر، يستطيع الغرب مع أوكرانيا، استفزازه عسكريا في المناطق المضمومة حديثا ورغم الرفض الشديد والتنديد العارم من الغرب، بالاستفتاءات ونتائجها حول الضم، الآن الغرب لن يستطيع تغيير قرارات بوتين كون الضمّ تمّ ولا رجعة فيه على غرار ما حدث في جزيرة القرّم.

الخطوة الأخطر

إذا لماذا تعتبر هذه الخطوة الأخطر على الإطلاق في الحرب التي دخلت شهرها الثامن؟ في الواقع أن ضم الأقاليم الأربعة للسيادة الروسية، وفق الاستفتاء يعني قضم 16 ٪ من الأراضي الأوكرانية، وتمثل هذه الخطوة تغييرا جيو- عسكري في قواعد العقيدة العسكرية للحرب، التي ألقت بظلالها على جميع مناحي الحياة على الكوكب طاقة وغازا ونفظا ومعيشية، وتأثر بها جميع سكان الأرض، فضلا عن أن هذه الحرب أيضا أدت لتغيير جذري الأوضاع الاقتصادية بشكل خاص في أوروبا وحولتها رأسا على عقب.

التغطية على الهزيمة

ويعزو خبراء روس أن السبب الرئيس وراء إقدام بوتين، على الاستفتاء ومن ثمً ضم الأقاليم، هي الخسائر التي تعرضت لها قواته في الميدان خلال شهر سبتمبر الماضي، حيث استولى الهجوم المضاد الأوكراني، على أكثر من 3 آلاف ميل مربع في غضون أسابيع فقط، وأجبر ذلك الهجوم القوات الروسية على الانسحاب من منطقة خاركيف، بعد أن كانوا قد وعدوا السكان المحليين، بأن "روسيا جاءت لتبقى إلى الأبد"وفي منطقتي دونيتسك ولوغانسك، اللتين تمثلان معاً إقليم دونباسفي الشرق الأوكراني، وبدأت القوات الروسية أيضاً في فقدان بعض الأراضي، التي كان الانفصاليون التابعون لها يسيطرون عليها منذ قبل 24 فبراير، يوم بدأت الحرب الحالية، وهو ما يمثل انتكاسات متتالية للخطط الروسية. واعتبر الخبراء الغربيون خطاب الرئيس الروسي بوتين الذي أعلن فيه ضم الأقليم، بمثابة إعلان حرب ولحظة تحول أساسية في العلاقات الدولية، قد تؤسس لحرب باردة جديدة ذات تداعيات جيوسياسية غير محسوبة العواقب.

وقف التراجع الروسي

ويقول محللون إن روسيا نفذت عمليات الضم من أجل وقف تراجعها في ميدان المعركة، إذ إنه من خلال إعلان هذه الأراضي الأوكرانية كجزء من روسيا، تهدد موسكو برد ساحق، بما في ذلك هجوم نووي محتمل، كجزء من حرب دفاعية، ما لم توقف أوكرانيا جهودها الناجحة لتحرير أراضيها. ومن خلال التهديد بتصعيد كبير، تسعى روسيا إلى إبطاء خسائرها حتى تتمكن قواتها من إعادة تجميع صفوفها.

الغرب وصعوبة تغيير الواقع وبطبيعة الحال فان أوكرانيا والغرب، وصفوا قرار الضم، بأنه إجراء قسري وغير قانوني، يهدف لخلق ذريعة قانونية لضم المناطق الأربع لروسيا.

فرض رؤية جديدة

فيما وصف خبراء روس، إن إعلان بوتين لضم الأقاليم، هو في الواقع إعادة ترسيم لقواعد وخطوط اشتباك جديدة مع الغرب، وفرض الرؤية الجيو- عسكرية الروسية الجديدة بالكامل، وإعادة تموضع عبر لملمة ما يمكن لملمته من الجغرافيا الروسية التي خسرتها، وإعادة بناء روسيا العظمى من جديد معتبرين أن تفجير خط الأنابيب السيل الشمالي” يعد تدميرا لبنية الطاقة التحتية لأوروبا.

رسالة تحذير لباقي الدول

إن عملية الضم وما تحويه من موارد، هي حتما إعادة رسم لخريطة روسيا، وهي رسالة لباقي الدول التي تحاول أن تكون قاعدة خلفية للإدارة الأميركية ضد روسيا"، بحسب ما أوضحه مصدر روسي للرياض طلب عدم الكشف عن اسمه.

جعجعة غربية بلا طحن الخطوة الروسية أثارت تنديدا دوليا وتهديدات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن صناع القرار الروس يرون في بوتين أنه حسم أمره وقرر المضي في مشروع الحرب والسلام معا، وفق مبدأ العصا والجزرة، وملتزم بالتنمية المستقرة للبلاد، ومستعد للحوار مع الدول الأخرى، وبقي صلبا في موضوع حماية مصالح روسيا في الساحة الدولية، وضمان السلام والأمن لروسيا ورفاهية مواطنيها.

لا حلول غربية للأزمة ويبدو أن بوتين الحالم والطامح بإعادة إحياء مجد الاتحاد السوفيتي السابق، لديه قناعة بأن الغرب لا يسعى إلى حل أزمة اوكرانيا وأن النخب الأوروبية لا تريد إيجاد حلول عملية لها، خصوصا أنه قال في خطابه لن نعود إلى النظام العالمي الذي كنا فيه"، ووصف بوتين سابقا، الاتحاد السوفييتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين"، وتعهد في حينه على ترميم هيبة روسيا في العالم بعدما تدهورت مع سقوط الاتحاد السوفييتي وسنوات الفوضى في عهد بوريسيلتسين.

الطموحات البوتينية الكبرى ورغم نفي بوتين سعيه لإحياء الاتحاد السوفياتي قائلاً " الاتحاد السوفياتي انتهى. لا يمكننا إعادة الماضي. ولم تعد روسيا تحتاجه. لا نسعى لذلك". إلا أن خطوة الضم مؤخرا على الأقل كشفت عن طموحات بوتين لإعادة روسيا العظمى.

الصراع الدائم

ولتحقيق ذلك، يتبع بوتين نهجا قوامه الصراع الدؤوب والبحث عن مؤشرات الضعف لدى خصمه، وفق ما أوضح بنفسه عام 2013 ردا على روسي طلب منه بذل كل ما بوسعه من أجل اللحاق (بأميركا) وتخطيها"، وفق شعار قديم يعود إلى الحقبة السوفييتية.

الروح الحديدية الصلبة

ويعتبر بوتين من دون منازع أحد أهمّ قادة العالم، وأكثرهم تأثيراً منذ رئيس الوزراء البريطانيا لأسبق ونستون تشرشل. بوتين رجلٍ لم يكن يملك طموحات سياسيّة، من أيّ نوع،(على الأقل علنا) ولولا تنحّي بوريس يلتسين المريض واليائس، واختياره بوتين خلفاً، قادراً على الحفاظ على سلطته وضمان الحصانة لعائلته، أو لو عيّن يلتسين ببساطة أحداً سواه، لكان تاريخ روسيا قد اختلف كثيراً عمّا هو عليه الآن.

حروب باردة وساخنة

وقدم بوتين في الماضي، نفسه على أنه الزعيم الذي سيرمم روسيا العظمى" بضمه شبه جزيرة القرم الأوكرانية بعدما احتلتها القوات الروسية، وقد نظم فيها استفتاء نددت به الأسرة الدولية على غرار ماتم مؤخُرا، معتبرة أنه غير شرعي، إلا أن الغرب لم يستطع تغيير الواقع الذي فرضه بوتين على الأرض، وزادت من نفوذه ومقامه داخليا، إلا أنها أثارت أسوأ أزمة منذ نهاية الحرب الباردة بين روسيا والغرب.

بايدن والموقف النمطي

ورغم إدانة الرئيس جو بايدن لقرار ضم أراض أوكرانية ذات سيادة وقوله إن موسكو تنتهك القانون الدولي وتعبث بميثاق الأمم المتحدة، وتبدي ازدراءها للدول المسالمة أينما كان، إلا أن تصريحات بايدن تعد بيانا لتسجيل موقف سياسي ليس له تأثير حقيقي على الأرض، وتمتد المناطق الأربعة التي ضمتها روسيا، على مساحة نحو 90 ألف كيلو م2، تمثل نحو 15 % من إجمالي مساحة أوكرانيا، وتعادل مساحة المجر أو البرتغال.