ها هو الواقع يؤكّد أن الثقافة -بحمولاتها الفكرية والحضارية والإنسانية- مطلب وجودي مهم، ولم تعد محصورة في النظرة القاصرة نحوها، واعتبارها -أي الثقافة- ضرباً من البذخ الفكري المجرد الذي يرتبط بصيغة الترف والدعة؛ بل إنها غدت حاجة ملحّة أكدها الواقع المعيش سواء على مستوى الفرد أو مستوى الجماعة؛ بل إننا نلاحظ أنّ آثارها وقيمتها تمتد لتشمل الجانب الوجداني للإنسان وما يختلجه من عوالم شعورية جميعها تلتقي في بوتقة الإبداع والخلق والابتكار.

وكل هذه الأدوار تجعل الثقافة قادرة على تسييج الشعوب بالوعي والمعرفة والثقة في الذات، وعدم الارتهان لأي خطاب غربي مهيمن أو كان مهيمناً في وقت ما، فالعالم الذي احتفى بالثقافة وصيّرها همّاً وجوديّاً استطاع أن يفك إسار أي هيمنة أو سيطرة أو حتى انبهار، فالثقافة الإسلامية والعربية بما تحمله من تاريخ وإرث فكري وفلسفي قادرة على أن تنهض من كبوتها والتعامل بما يليق بتاريخها العريق الضارب في الأصالة والجدارة والتمكن.

اليوم معرض الرياض الدولي للكتاب يؤكد استمرار عالميته، ورصانة وجدّية المنصة المعيارية التي ينطلق منها؛ وهي تفاعل الأنساق الثقافية والأفكار والرؤى المتبصّرة. أثبت المعرض أنه حدث مهم وعالمي مؤثر، وأنه المنصة الأوعى والأقدر والأجدر سواء للشركات أو المؤسسات أو الأفراد العاملين أو المهتمين بقطاعات الأدب والنشر والترجمة، لعرض مؤلفاتهم وخدماتهم، إضافةً إلى دوره الأساسي في تعزيز وتنمية شغف القراءة في المجتمع، وزيادة الوعي المعرفي والثقافي والأدبي والفني، وذلك من خلال تحفيز الأفراد على زيارة معرض الكتاب للاطلاع واقتناء المصنفات الثقافية والأدبية والتعليمية، وحضور المؤتمرات وورش العمل والندوات والمحاضرات الثقافية والأدبية والفنية والمبادرات المصاحبة للمعرض، كل هذه الأدوار التي تبناها ودعا لها تجسّدت واقعاً لافتاً وجاذباً.

أثبت الكتاب صموده وأنه الوعاء الأرقى للفكر ومعارف الإنسان وتاريخه وحضارته، فضلاً عن كونه منصة عالمية باتت تقصدها الشخصيات الفكرية والفلسفية والثقافية الفذة، فقد شاهدنا أنه ولأول مرة في العالم العربي تُطل الكاتبة الحائزة على جائزة نوبل سفيتلانا أليكسييفيتش أمام جمهورها المُلهَم بكتاباتها، وتوقّع كتبها للحاضرين، كما شهدنا حضوراً لبعض الحاصلين على جائزة الملك فيصل العالمية، وكذلك جائزة البوكر العالمية، وغيرها. كل هذه الشخصيات والقامات العلمية والفكرية بات معرض الرياض الدولي للكتاب أحد أهدافها الثقافية، وهو مؤشر ودلالة على عالمية المعرض من جهة، وسطوع نجم الثقافة السعودية من جهة أخرى.