يعتمر الناشر سعيد البرغوثي قبعته السوداء جالساً على كرسيه في دار "كنعان للنشر" بأروقة معرض الرياض الدولي للكتاب "2022"، وبصوته الرخيم يرحب بالزوار ويقصّ لهم أزكى حكايات عالم الثقافة، ويهدف من خلال حضوره برفقة داره "كنعان للنشر" إلى التفاعل مع جميع روّاد المعرض وليس فقط لتسويق الكتاب.

فتش البرغوثي في ذاكرته التي ما تنفك تخبره عن سحر طفولته، وأريج أزقة مدينته الحالمة "صفد" في فلسطين، والتي فارقها وهو في العاشرة من عمره بعد صبيحة استثنائية يوم "15" يونيو عام "1948"، آنذاك عاد مبكراً من المدرسة بسبب معلمه الذي فاجأ تلاميذه بقوله: "لم يعد هناك مدرسة بعد اليوم". فما كان من الأطفال إلا حزم حقائبهم مغبوطين، دون أن يستوعبوا ما يجري حولهم من أحداث مدينتهم التي أخرجوا منها عنوة.

وضّبت عائلة البرغوثي حقائبها لتهاجر إلى قرية حرستا في سورية، وبعد ثلاث سنوات تحسست خطاها إلى دمشق حيث تبلورت ثقافة سعيد هناك، لذلك إيمانه قوي بأهمية الكتاب الأول الذي يستطلعه الإنسان، فذات مرة أجبرته ساقاه على التنزه بسوق المسكية حيث لمح المكتبة الظاهرية المرتكزة بين السوق والجامع الأموي، وصُعق بمنظر المغرمين بالقراءة داخل قاعاتها، فسعى والتقط كتاباً والتهمه بعينيه الفاحصة، وقد خطّ صفحاته الأديب توفيق الحكيم، وكتب أحد القراء على غلافه الأخير "لله درك يا حكيم"، ومنذ ذلك الوقت أصابته لوثة القراءة.

تشبع بالقراءة ونضج عقله برائحة الكتب، فقرر تأسيس دار "كنعان للنشر" في عام 1989، ليثري الأفكار وينير مصابيح الأزقة المظلمة، فيما لا يفارقه الحنين البائس والأوجاع الكالحة التي سببتها الهجرة، وفتح قلبه وتحدث: "أقمت معرضاً جنوب سورية بمدينة السويداء في ردهات أحد فنادقها، وحضرت هناك لافتتاحه وظفرت بعدة أصدقاء، وحينما سرت في دروبها بعد 25 عاماً منذ لقائنا الأول؛ تبخرت ملامح المدينة وأوجه أصدقائي، وكُدت أن انشج على قارعة الطريق، فجزمتُ بأنني ودعت صفد إلى الأبد عندما غادرتها طفلاً.

غدا منزل سعيد في حارة الورود بدمشق حيثما انطلقت داره؛ مقصداً لكبار الأدباء والفنانين، وشهد سطح منزله حوارات وأمسيات بحضور متوهج للمثقفين من أمثال واسيني الأعرج، وأمين الزاوي، ومظفّر النواب، وحكيم مرزوقي، وعبد الرحمن منيف.

وعن لقائه مع الروائي غسان كنفاني، قال: "أتمنى لو أنني لم أعرفه، فآلامي وجروحي غائرة ولم تلتئم لرحيله القاسي، وهو من حقق المعادلة الصعبة في كل رواياته بداية من "رجال في الشمس" إلى "عائد إلى حيفا" حيث شخّص الوضع الفلسطيني وحقق شروط الرواية الفنية في ذات الوقت، كما هو حال محمود درويش، وكلاهما قامتان شامختان".

ويرى أن نزار قباني شاعرٌ جميل لكنه غير مدهش، رغم اجتماعاتهم العديدة، ويعتقد البرغوثي أن الشاعر الحقيقي من يكتب الشعر المدهش الذي يتغلف بالغموض البهي، فحين يقول نزار: "إن ما نقوله أقل من إحساسنا"، قالها الشاعر محمد لافي بعذوبة: "شرفات القصيدة ضيقة وأنا واسع كالفضيحة"، وهي صيغة شاعر مذهل كما يذكر البرغوثي.