أم سلمة إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما تقدم الرسول عليه السلام لخطبتها بعد وفاة أبو سلمة رضي الله عنه قالت يا رسول الله إني امرأة شديدة الغيرة، فما كان رد رسول الله لها إلا بالدعاء بأن يُذهب الله عنها هذه الغيرة.

ولم ينكر عليها الرسول عليه السلام ذلك لأنه يعلم أن الغيرة من طبع النساء وأنها من كمال الحب.

والغيرة هي عاطفة معقدة تشكل خليط من مشاعر الشك إلى الغضب إلى الخوف شعور مزعج يبدأ بسيط وتزداد شدته وقسوته.

إن غيرة النساء من النساء أمر طبيعي ولكن أن تغار امرأة على زوجها من هواية تعلق بها أو مهنة برع فيها أو علم شغُف بطلبه هو أمر يتعجب منه العقل، فماذا لو كانت هذه الغيرة من الكتب؟ وما موقف هؤلاء النساء منها؟ هذا ما يستحق أن نقف عليه ونأخذ الأخبار عنه.

فمما يروى عن سيبويه أنه تزوج بالبصرة بجارية عشقته فلم يكن يقبل على الجارية، ولا يهتم بها، وهي شغوفة بحبه، ولم يشغَله غير النظر والسهر على الكتب، فترصدت خروجه إلى السوق في بعض حوائجه، وأخذت جذوة نارٍ فطرحتها في الكتب حتى أحرقتها، فرجع سيبويه فنظر إلى كتبه وهي هباء فغُشي عليه أسفًا، ثم أفاق فطلّقها.

ومن الأخبار أيضاً ما جاء في ترجمة الأمير محمود الدولة الآمري: كان يقتني الكثير من الكتب وكان مغرماً بالقراءة وكون مكتبة نادرة ويرى أن هذه المكتبة أهم ما يملك ولا يكاد يلتفت إلى زوجته، فلما مات كانت زوجته تندبه وترمي بالكتب في بركة ماء وكان في قلبها الكثير عليها، لأنه كان يشتغل عنها بهذه الكتب.

أيضاً الليث بن المظفر، كان تلميذاً عند الخليل بن أحمد الفراهيدي أعطاه الخليل كتاباً خاصاً به فأخذه الليث وابتدأ بحفظه كان مشتغلا عن زوجته بحفظ كتاب «العين للفراهيدي» فغارت من الكتاب فأحرقت الكتاب وحزن حزناً شديدًا.

ذكر الكاتب أنيس منصور أن المؤرخ إبراهيم العياشي رحمهم الله كان مغرماً بالكتابة واقتناء الكتب وأنه كان يشتغل في كتاب لمدة عشرين سنة فأخذت زوجته هذا الكتاب وأحرقته فأصيب من هول الصدمة بالشلل.

ذكر البغدادي في تاريخ بغداد أن الجوهري تزوج امرأة وكان يقضي أغلب أوقاته في الكتابة والقراءة فدخلت عليه مرة أمها وأخذت المحبرة وضربت بها الأرض وكسرتها وهي تقول: هذه شر على ابنتي من 300 ضرة.

ومن غريب الأخبار ما ذكره الندوي في نزهة النظر أن رجلاً من علماء الهند كان مغرماً بالكتب وخرج مرة إلى السوق فلما عاد إلى المنزل رأى الزوجة رمت الكتب في البئر ومن شدة الصدمة رمى نفسه في البئر ومات رحمه الله.

فعندما تغار النساء يتحول حنانها لقسوة وهدوءها لعاصفة وغضبها لانتقام، فقوة الانتقام بقوة الإهمال.