ليس في العنوان تناقض، فقد أظهرت الحملة الغربية الشعواء لفرض قيم دخيلة على بقية دول العالم، أن الروح الاستعلائية الغربية الموروثة من حقبة الاستعمار والتمدد الإمبريالي، ما زالت تهيمن على العقل السياسي في الغرب، رغم كل مزاعم الليبرالية وحقوق الإنسان، واحترام التنوع والاختلاف، وقد كشفت عملية التعبئة الغربية المحمومة مؤخراً لترويج قيم ساقطة، والمنافحة عن سلوكيات منافية للفطرة الإنسانية، أن الغرب بات يشعر بمكانة عليا تخوله فرض القيم والسياسات التي تناسبه على مجتمعات أخرى لا تشترك معه في الدين أو الثقافة أو القيم الاجتماعية السائدة، وهو بهذا المنطق الاستعلائي إنما يقض كل البنيان الفكري لقيمة الليبرالية القائمة على حرية الاختيار سواء كان ذلك على مستوى الفرد، أو على مستوى المجتمعات، التي من حقها رفض ما لا يتواءم مع دينها وأعرافها وقيمها الأصيلة.

هذه الفوقية الأخلاقية، أصبح من الجلي أنه ليس ثمة ما يبررها أو يسندها واقعياً، وقد انكشف الانهيار الأخلاقي والقيمي الذي يعانيه الغرب باعتراف نخبه ومفكريه، وتفسخ عرى العلاقات الإنسانية داخل مجتمعاته، مع طغيان المادية، وتراجع القيم الأسرية، في صورة نقيضة لتقدمه العلمي والمعرفي الذي لا يتسنى إنكاره.

يهدم الغرب بانتهازيته وممارسته لفوقية أخلاقية فارغة، كل ما خطاه العالم في العقدين الأخيرين نحو تعزيز التقارب بين الحضارات والثقافات، وتعزيز قيم الحوار واحترام خصوصية كل مجتمع أو حضارة، الأمر الذي يعيدنا إلى مربع النزاع والتنافر، والقطيعة، وهو أمر لا يمكن أن يعود بخير على الجميع، فعلى الغرب أن يعي أن سعيه للعبث بقيم ومثل مجتمعات أخرى من شأنه أن يخلق حساسيات ثقافية ووطنية، ويصنع انطباعاً سلبيا تجاههم، هذا على الصعيد الاجتماعي، أما سياسياً فإن الدول ستكون مضطرة لإعادة النظر في خارطة تحالفاتها، والبحث عن علاقات جديدة خالية من الإملاءات والاستعلاء الأخلاقي.