في السنوات الأخيرة بدأ يظهر للعيان إدراك خطورة المشكلات التي يسببها الأدمان.. وعلى مستوى الاستطباب مازالت الأبحاث والجدال قائماً حول الأسباب الدقيقة للإدمان وأنجح أساليب العلاج المقدمة ومن النظريات العلاجية التي تناولت تفسير أسباب الإدمان وتقديم العون العلاجي للمدمنين نظرية العلاج الانفعالي - العقلاني (R. E.T)

اليوم فسرت تلك النظرية أحد الجوانب الهامة في نزوع المدمن للإدمان وهو ما أطلق عليه التحمل المنخفض للإحباط من جراء المعتقدات الخاطئة التي عادة ما يسلكها الفرد على مستوى التفكير عندما يواجه المواقف الحياتية. وقد طرح أليس (ELLIS ) وصفا للحالة التي تنتاب المدمن نتيجة معتقداته الخاطئة بحالة قلق الانزعاج DISCOMFORT ANXITY)، ويمكن وصف هذه الحالة النفسية في كون المدمن يشعر بالقلق والانزعاج عند امتناعه عن التعاطي حيث يبدأ المدمن في توقع الألم بمختلف صوره سواء كانت آلاما جسمية أو نفسية... وفي هذا السياق نجد أن الأفكار الخاطئة حول توقع الألم وانخفاض عتبة تحمل الإحباط لديه تجعله يعتقد أن مسألة تحمل تلك الآلام أمر لا يطاق ومن الصعوبة بمكان عليه تحملها نفسه عاجزاً أمامها. فنجده يحدث نفسه بالمعتقدات التي بل يجد. الفكرة الخاطئة التالية: "لا أستطيع تحمل عدم التعاطي. الحياة صعبة ولا أستطيع مواجهتها، لا أستطيع مواجهة متاعب العمل، من الصعب علي التفاعل الاجتماعي بدون تعاطي" ...

وهكذا نجد أن هناك أحاديث كثيرة مع الذات ومعتقدات خاطئة تدور في ذهن المتعاطي تدفعه عادة إلى عدم القدرة على مواجهة المؤثرات الحياتية ومن ثم الاستسلام للتعاطي.

اليوم تبدأ معاناة المدمن من جراء تلك الأفكار تصاعدياً خاصة إذا بدأ يشعر بأن حياته الاجتماعية والجسمية والاقتصادية بدأت في التدهور وفي هذه الحالة تتضاعف مشاعر القلق لديه ويبدأ الفرد يدور في حلقة الإدمان المغلقة.. وكما يبدو فإن هناك أرضية قاعدية من الأفكار والمعتقدات غير العقلانية تتميز بها شخصية المدمن قبل الإدمان في تعامله مع المشكلات الحياتية.. فالعامل الأولي المعرفي لديه هو العامل الوسيط الذي يترجم من خلاله الفرد المواقف الحياتية وما يترتب على ذلك من ردود أفعال مضطربة لذا فالاعتقاد السائد لحل الاضطراب الانفعالي كرد فعل للمواقف الحياتية بالنسبة للفرد المدمن هو التعاطي كحل موقفي للأزمة النفسية التي يعاني منها في ظل تحمل منخفض للإحباط وفي هذا السياق فإن مشكلة الإدمان على المؤثرات العقلية تعتبر مشكلة تشترك في تكوينها الكثير من العوامل التي تختلف في نسبيتها من حيث قدرة التأثير والتكرار والمدة الزمنية للتعاطي.

اليوم في حالة تقييمنا للمدمن لغرض إخضاعه للبرنامج العلاجي السلوكي والعلاج الانفعالي العقلاني فإن ذلك يتطلب التعامل معه كشخصية منفردة لها سماتها وأنماطها الشخصية المستقلة مع مراعاة مستوى استبصاره بالمشكلة وتقييم شخصيته باستخدام أحد اختبارات الشخصية المعروفة.. فالمدمن الذي يعاني من أحد اضطرابات الشخصية غير المدمن الذي لا يعاني من تلك الاضطرابات.