نحن كبشر نبكي منذ لحظة ولادتنا. وعلى عكس الحيوانات الأخرى التي تصدر نداءات استغاثة عندما تكون قلقة أو لتنبيه بعضها البعض من خطر محتمل، فإن البشر هم الحيوانات الوحيدة التي تطورت لتبكي بالدموع كشكل من أشكال التفريغ العاطفي. يعرف العلماء البكاء بأنه عملية بيولوجية بحتة، وهي "ظاهرة حركية إفرازية معقدة تتميز بذرف الدموع من الجهاز الدمعي، دون أي تهيج في تركيب العين، وغالبا ما يصاحبه تغيرات في عضلات تعبيرات الوجه، والنطق، وفي بعض الأحيان". حالات النحيب، وهو الشهيق والزفير المتشنجان مع تشنجات في مجموعات عضلات الجهاز التنفسي والجذع.

العلماء وجدوا بعض الأدلة على أن الدموع العاطفية تختلف كيميائيًا عن تلك التي يذرفها الأشخاص أثناء تقطيع البصل، وهو ما قد يساعد في تفسير سبب إرسال البكاء مثل هذه الإشارة العاطفية القوية للآخرين. بالإضافة إلى الإنزيمات والدهون والمستقلبات التي تشكل أي دموع.. فالدموع العاطفية تحتوي على المزيد من البروتين. إحدى الفرضيات هي أن هذا المحتوى العالي من البروتين يجعل الدموع العاطفية أكثر لزوجة، لذا فهي تلتصق بالجلد بقوة أكبر وتتدفق على الوجه ببطء أكثر، مما يزيد من احتمالية رؤيتها من قبل الآخرين.

اليوم تبين أن البكاء أمام الآخرين له العديد من الفوائد الشخصية. يمكن أن يكون البكاء بمثابة علامة على الثقة الاجتماعية والحاجة إلى الارتباط.. عندما نبكي أمام الآخرين، فهذا يشير إلى أننا ضعفاء وقد نحتاج إلى دعمهم أو حمايتهم.. ولهذا السبب فإنه يثير استجابات وقائية من المحيطين بنا، مما يؤدي إلى مشاعر الرعاية والرحمة. يمكن أن يقلل البكاء أيضًا من العدوانية بين الأشخاص من خلال الإشارة للآخرين بأننا لا نشكل تهديدًا وأننا على استعداد لأن نكون عرضة للخطر. وهذا يمكن أن يؤدي إلى تهدئة الصراعات وخلق فرصة للحل، بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يخلق البكاء فرصًا للترابط الاجتماعي. البكاء أمام الآخرين يمكن أن يثير مشاعر التعاطف والتفاهم، والتي يمكن أن تساعد في خلق شعور أقوى بالارتباط والتقارب بين الأفراد.

اليوم على الرغم من أن البكاء هو أحد أكثر الأشياء الطبيعية والإنسانية التي يمكننا القيام بها، إلا أن العديد من المجتمعات تنظر إلى البكاء بشكل سلبي. ففي بعض الثقافات يعتبر البكاء أمرا شخصيا للغاية ومن غير المناسب القيام به أمام الآخرين.. علاوة على ذلك تربط البكاء بالضعف، وبالتالي بالأنوثة. ونتيجة لذلك يكبر عدد كبير من الذكور وهم يقاومون رغبتهم بالبكاء إذا أرادوا أن يُعتبروا رجالاً.. وبالتالي نتلقى الكثير من الرسائل طوال حياتنا تخبرنا أنه ليس من المقبول البكاء بينما في الواقع، البكاء هو وسيلة صحية وطبيعية للرد على المشاعر الشديدة والتخلص منها لاحقًا.

اليوم عندما يبكي الشخص، وخاصةً وهو ينتحب، فإنه يأخذ أنفاسًا قصيرة من الهواء البارد في تتابع سريع. وهذا لديه القدرة على المساعدة في تنظيم درجة حرارة الجسم الأساسية وكذلك درجة حرارة الدماغ، كما أن التنظيم لدرجة حرارة الدماغ يمكن أن يحسن اضطرابات المزاج المختلفة. لذا يبدو أن البكاء يعمل على تبريد الجسم والدماغ، وبالتالي تحسين مزاجنا.. ويساعد هذا في تفسير سبب شعورنا بالتحسن بعد نوبة بكاء شديدة.. كما يساعد على تهدئة النفس وتخفيف الألم ويخفف من التوتر.