ابراهيم الوافي


ضد النسيان

ما زلتُ على الرغم من ازدحام المدن وارتفاع أبراجها، أحتفظ بهويّتي القروية كأنها جذع شجرةٍ قديمة لم تقلعها رياح الحداثة، هناك في القرى، لا يكون التاريخ كتابًا على الرف، بل هيئةً في الوجوه، وطريقةً في المشي، ونبرةً في الكلام، وحكايةً تتكرّر كل مساء على شكل عادةٍ أو مثلٍ أو أغنية، لهذا كنت أعتقد دائمًا أن القر...

أخلاق الشعر

في إحدى الإشارات اللافتة، دعا الأستاذ عبدالعزيز النصافي من خلال حسابه على منصة X إلى تخليص الشعر من فن الهجاء، -وجاءت دعوته على شكل أمنية- لا بوصفه حذفًا من الذاكرة الأدبية، بل بوصفه مراجعة أخلاقية لوظيفة الشعر في زمن تغيّرت فيه طبيعة الخصومة، وتبدّلت فيه الحاجة إلى اللغة، فالدعوة لم تكن في جوهرها ضد الترا...

خديعة الحنين

حين نستدعي الماضي، فإننا لا نستدعيه كما كان، بل كما نحتاجه أن يكون، فلا نجده حينها إلا حديقةً نظيفة من الأشواك، أو بيتًا بلا تشققات، وجوهًا بلا قسوة، وأيامًا بلا ندم، فنحن نعيد تركيبه في الذاكرة كما يعيد شاعر ترتيب القصيدة حيث نحذف منه ما يوجع، ونُهذّب منه ما يفضح، ونترك فيه فقط ما يصلح أن يكون حنينًا! ل...

الخيال والابتكار

لم تكن الخرافة في تاريخ الإنسان نقيضًا للعقل كما ترسّخ في وعينا الحديث، بل كانت -على نحوٍ خفي- بذرة العقل الأولى، وخطوته المرتبكة في الظلام، فالإنسان لم يبدأ رحلته مع الاكتشاف من المختبر، بل من الحكاية.. لم يخترع لأنه امتلك أدوات العلم، بل لأنه امتلك أولًا شجاعة التخيل. قبل أن تتكوّن المعادلات، كانت الأسط...

العيش على حافة الرضا

أحسب أنّ أكثر ما يرهق الإنسان ليس ما يفقده، بل ما يطارده من صورةٍ يتخيّل أنّه كان يجب أن يكونها ولم يكن، ذلك الصوت الخفي الذي يهمس في داخله «كان يمكن أن تكون أكثر، أصفى، أنقى، أبعد… «فيظل العمر كله مطاردا لنسخة متخيّلة من الذات، لا تمسك بها اليد مهما امتدّت. لطالما حاولت أن أروّض أيامي على الرضا، لا بوصفه...

المقهى بوصفه نصاً مفتوحًا

في التحولات الكبرى التي شهدها المشهد الثقافي السعودي خلال الأعوام الأخيرة، لم يكن برنامج الشريك الأدبي مجرد آلية دعم للفعاليات، بل كان في جوهره إعادة اكتشافٍ ذكي لأماكن الثقافة نفسها، ومن بين أكثر هذه الاكتشافات دلالة وعمقًا، حضور المقاهي العامة بوصفها شريكًا أدبيًا، لا على الهامش، بل في قلب الفعل الثقافي،...

من البشارة إلى الطمأنينة

في المقالة السابقة المعنونة بـ»بشارة رقمية» وبعد أن جرى تفكيك مفردة «أبشر» بوصفها فعلَ بشارةٍ رقميّة، لا تكتفي بالخدمة بل تُعيد تعريف العلاقة بين اللغة والدولة، جاءت تجربة «توكلنا» امتدادًا طبيعيًا لذلك الوعي اللغوي ذاته، ولكن في ظرفٍ عالمي أكثر حرجًا، حيث لم تعد البشارة كافية، فالعالم حينها كان بحاجة إلى ...

الورود التي تصل متأخرة

في كل مرة يرحل فيها مبدع، يتأخر الرفاق خطوة، ثم يستديرون فجأة ليلوّحوا له بالورود، كأنَّ الموت هو الضوء الوحيد الذي يُحسن إضاءة الوجوه، أو كأنَّ الغياب شرطٌ متأخر للاعتراف، هذه المفارقة ليست عابرة، بل هي ظاهرة إنسانية ضاربة في عمق الوجدان والتاريخ.. لهذا سنتساءل دائمًا لماذا نحتفي بالمبدعين بعد رحيلهم أكثر...

بشارة رقميّة..!

الكلمات ليست محايدة كما نتصوّر، ولا بريئة كما تبدو في ظاهرها، بعض الكلمات تحمل في جوفها تاريخًا من الشعور الجمعي، وتختزن طبقات من المعنى تتجاوز القاموس إلى الذاكرة، ومن الدلالة اللغوية إلى الأثر النفسي والاجتماعي، من بين هذه الكلمات، تقف كلمة «أبشر» بوصفها واحدة من أكثر المفردات العربية دفئًا وحميمية، وأكث...

محنة الشعر..!

مع تتابع الأحداث وتسارع الضوء وضمور ساعات التأمل.. يطل الشعر برأسه من بين أنقاض اليومي لا بوصفه سيّد المشهد، بل شاهده الأخير، لم يعد الشعر ذلك الكائن الذي امتلك زمن إرادته ووعيه، حين كان الشاعر وزير رؤياه، وحارس معناه، وقائداً لوعيه الجمعي، بل أضحى أقرب إلى ذاكرة جريحة تتحرك بلا قيادة، تُستدعى أكثر مما تبا...

ميقات القصيدة!

لا أعرف حقًا هل تختار القصائدُ زمنَها، أم أن الزمن هو من يفتح لها بابًا سريًا لتتخلّق فيه، كثيرٌ من النصوص، بل حتى الأبيات المفردة، تبدو كأنها تنتقي لحظتها المخصوصة كي تُولد، ثم تمضي في الوجود بقدرٍ من الدهشة يجعل شاعرها نفسه في ورطةٍ مع التكرار؛ كأن الرؤيا تكتمل فجأةً بينما لا يزال الشاعر يبحث عن مدخل جدي...

بنات الرياض.. عشرون عاماً من الجدل

ليس غريبًا أن يعود الجدل -بعد عقدين من الزمان- ليمسك بأطراف رواية بنات الرياض للطبيبة رجاء الصائغ كما لو أنها لم تُكتب أمس، وكأن الزمن لم يَسْتَدِر دورته الكاملة بعد؛ ذلك أن بعض الأعمال لا تعيش في زمنها فقط، بل تظلّ تضيء المناطق المعتمة في وعينا كلما حاولنا إعادة تعريف علاقتنا بالكتابة وبأنفسنا، الجدل هنا ...

الصور التي لم تلتقط بعد!

في الوقت الذي لا نزال فيه ندور - بوعي مُرتبك أحيانًا - حول محيط تاريخنا، لم نمدّ بعد أصابع الدهشة إلى العمق الذي ينتظر أن نلمسه؛ ذلك العمق المزدحمُ برحيل القبائل، وبصدى خطوات الأجداد، وبالوجوه التي حفرتها الشمسُ ونسيتها الرواية، لا نعرف حقًّا متى سنشرع في الالتفات إلى مخزوننا الهائل، التاريخي والجغرافي، بك...

الماضي.. والذاكرة الانتقائية!

الماضي.. ذلك الظلّ الذي يمدّ يده من عمق الذاكرة ليعيد ترتيب أرواحنا كما يشاء، جعلناه دائمًا مرجعًا للقيم والمبادئ الأولى، وبالتالي حرصنا على أن نستعيره تربيةً ومثالًا لكل ما ظننّا أنه الخير المطلق، فنعود إليه كلّما اختنق الحاضر بحداثته، نلوذُ به، نستنطقه، ثم نبكيه، وحين لا نجده كما كان في خيالنا، نلعن حاضر...

وجهٌ آخر لكرة القدم

لم تنشغل الأرض يومًا، بكلّ ما دار فوقها من حروبٍ ومصالحٍ وتحوّلاتٍ، كما انشغلت بكرة القدم، هذه اللعبة الصغيرة التي تدور بين قدمين، كرةٌ لا تعرف اللغة لكن تتكلّمها جميع الألسن، تمرّر سحرها وخديعتها بأناقةٍ مدهشة، تُبهر وتُضلّل في الوقت ذاته، وتجمع بين الصيّاد والفريسة في رقصةٍ واحدة، إنها كرة القدم مرآةُ ال...

الشعر ضمير الوجود

منذ أن نطق العربيّ أوّل بيت شعر له، لم يكن حينها يكتب الشعر ليتباهى ببلاغته وفصاحة لسانه ومهارته اللغوية، بل ليوثّق ما لا تُوثّقه السيوف، ولا تدركه الروايات، فالشعر في جذره الأوّل ليس فناً للزينة، بل آلية بقاء، ووسيلة نجاةٍ من الفناء، كأنّ القصيدة هي الكفّ التي كتب بها العربيّ تاريخه قبل أن تكتبها الدول في...

مختبر الجمال

الشعرُ في جوهره العميق ليس قولًا جميلاً ولا حرفةً لفظيةً تُنَظَّمُ كما تُنَظَّمُ القصائد لجوائز دورية، هو لحظةُ وعيٍ متوهّجة، ينفلت فيها الوجودُ من عقال اللغة ليعبّر عن نفسه عبرها، كينونةٌ تتجلّى في الكلمة، كما يتجلّى الضوء في قطرة ماء، ولهذا ضلّ كثيرون طريقهم إليه حين ظنّوه غرضًا يمكن تدجينه أو تفسيره، فا...

القصيدة.. مرآة الأزمنة

القصيدة لا تُولد من لحظةٍ عابرة، بل من سرٍّ قديمٍ ظلّ يتربّص بالزمن حتى يكتمل نُضجه في صمت الوجود، هكذا أراها بعد أكثر من ثلاثين عامًا برفقتها، قارئًا وشاعرًا، فالكلماتُ التي تخلَق في ساعتها، تختار زمنها كما تختار الأرواحُ موطنها الأول، تأتي حين يشتهيها الغياب، وتؤجِّل ميلادها حتى يبلغ الحنينُ تمامَ القصيد...

التاريخ.. روايتنا الأولى

من المدهش أن يظلّ التاريخ العربي يُتلقّى في الغالب على هيئة حكاية، وكأنّ السرد في ثقافتنا كان دائمًا الوسيط الأسبق للفهم والتأويل، فقبل أن نعرف الوثيقة أو المنهج النقدي، كانت الذاكرة الشفوية هي المؤرخ الأول، والراوي هو الحافظ للزمن، وهذا ما يجعل العلاقة بين التاريخ والرواية في الثقافة العربية علاقةً إشكالي...

الصبـاحيّ..!

الشمسُ تعرفني الصباحيّ الذي ترك الحكاية للصباح.. ونام عن ليل الظنون أكثر من عقد ونصف مضى من عمري آخيتُ فيه الصباح، بعد أن قضيت عمرًا ساهرًا ليله.. فلا يجيئني حينها إلا كفقّاعة ضوء تنفجر في عينيّ لتدميَ الصحو فيهما..! كنتُ حينها أدّعي أنني من قبيلة الشعراء الذين لا تشرق شمسهم قبل أن يموتوا، لكن كما ي...

الوطن قصيدة لا تنتهي

منذ أن عرف الإنسان معنى الانتماء، كان الوطن القصيدة الأولى التي تسكن وجدانه قبل أن يسكن البيوت والمدن، فالوطن ليس مجرد جغرافيا أو حدود مرسومة على الخرائط، بل هو ذاكرة ممتدة في الدماء، وأغنية لا تتوقف على الشفاه، ولأن العربي ابن اللغة التي تستطيع أن تجسد هذا الحب الفطري العميق دائما، اختار الشعر ليكون الأصد...

قليلاً من البوح يكفي..!

في المساء يعود صغاري وقد كبروا كي يعودوا إليَّ مساءً ليلقونني البدوي القديم الذي يشعل النار في ظله كي يعيش طويلًا على ذمة الذكريات.. وقرض السنين يحيّونني متعبينَ ويستأذنون لكي يصعدوا نومهم هانئين! ينادونني بالكبير.. الذي يتجاوز عن قلبه ويطيل صلاة الحنين أسائلهم بعد أن يصعدوا.. ويذوب جليد ان...

قصائد الشيخ «الجبتي»

في إحدى الأمسيات الشعرية الخاصة.. وبعد انتهاء الأمسية تداخل أحد الحضور ممن أحسنوا بي الظن بقصيدة ترحيبية لا تخلو من عبارات المجاملة والإخوانيات كعادة كل قصائد المناسبات، والطريف في الأمر أنه ضمنها بعض التفاصيل الشخصية التي فوجئت من إلمامه بها.. وحين فرغ من قراءتها عبر هاتفه الجوال.. ابتسم وقال هذه القصيدة ...

ضوء يكتب التاريخ

التاريخ في جوهره أوراق ثقيلة صامتة، لكنه حين يعبر إلى الشاشة، يتحول إلى دمٍ يسيل في العروق، وإلى وجوهٍ تحدّق بنا من قلب العتمة، فمن تحت وهج الضوء، يولد الماضي من جديد، لا كما كان بل كما أرادت العدسة أن تراه، وكما أراد الخيال أن يصوغه، فالسينما لا تنقل التاريخ كما ينقله المؤرخون، بل تعيد كتابته بلغة أخرى لغ...

الثبيتي.. وتأصيل الهويّة..!

حين نتأمل التجربة الشعرية لمحمد الثبيتي، ندرك أننا أمام شاعر لم يكتب القصيدة ليحاكي الآخرين، بل ليعيد رسم ملامح الهوية الشعرية السعودية في زمن التحولات، فقد استطاع أن يمنح القصيدة السعودية وجهها الخاص، مستمدًا مادته الأولى من المكان، ومنفتحًا في الوقت نفسه على آفاق الحداثة الشعرية العربية، ومن هنا تأتي فرا...

الصباحات الفيروزية

صباحاتنا العربية على اختلاف جغرافياتها وطبائع ناسها، تكاد تلتقي عند نغمة واحدة؛ نغمة تُفتَح بها النوافذ على ضوء النهار، ويُسكب معها الفنجان الأول من القهوة، وتُستقبل بها ساعات العمل والدراسة واللقاءات الأولى.. إنه صوت فيروز هذه الظاهرة التي امتدت لعقود طويلة.. وهي بذلك لم تأتِ من فراغ، بل هي حصيلة تداخل عم...

متلازمة الكتابة والقهوة

يقول الثبيتي في رائعته تغريبة القوافل والمطر: وزِدْنَا مِنَ الشَّاذِلِيَّةِ حتَّى تَفِيءَ السَّحَابَةْ أَدِرْ مُهْجَةَ الصُّبْحِ واسْفَحْ علَى قِلَلِ القَومِ قَهْوتَكَ المُرَّةَ المُسْتَطَابَةْ .. القهوة، تلك الحبيبات السمراء التي تُسحق لتتحول إلى شراب أسود كثيف، لم تكن مجرد مشروب في الوجدان الإنساني...

المتنبي والوعي الخالد

لم يكن أبو الطيب المتنبي مجرّد شاعر تفيض قريحته بالحكم وتلتهب أبياته بالكبرياء، بل كان نبيّ رؤيا، يتجاوز الشعر كفنٍ بياني إلى الشعر كقدرٍ ووعي، كان يرى نفسه أكبر من الزمان، وأوسع من المكان، وأقوى من الجسد، ومن هنا تحديداً لم يكن يكتب لزمنه، بل لزمنٍ لم يأتِ بعد، ولم يكن يطارد المجد كما يرى الرواة المختلفون...

الذاكرة الفنية للتاريخ

الرواية التاريخية عمل أدبي يستند على وقائع أو شخصيات أو فترات زمنية من الماضي، يجد فيها الروائي الفنان بأدواته مادة أولية يعيد تشكيلها ضمن بنية سردية تخضع لمقتضيات الفن الروائي وتقنياته، وهي بذلك تتجاوز التوثيق أو إعادة السرد الأكاديمي، لتكون نوعا من الكتابة يجمع بين متعة الخيال وصرامة التاريخ، ويقدم نبض ا...

بين الشاشة والورق

يُعد تحويل الأعمال الروائية إلى أفلام سينمائية أحد أبرز أشكال التداخل بين الفنون، حيث يلتقي الأدب بالسينما في تجربة غالبًا ما تثير جدلاً نقديًا وجماهيريًا على حدّ سواء، فبين صفحات الرواية وسيناريو الفيلم مساحة من الإبداع، لكنها كذلك مساحة محفوفة بالمخاطر، قد ترتقي بالنص الروائي إلى آفاق جديدة، أو تهدم الكث...